قراءة نقدية في الورقة البحثية
إشكالية التشخيص الموضوعي في ممارسة الجري والانطباق
لسماحة العلامة السيد محمد العلوي
«إشكالية التشخيص الموضوعي في ممارسة الجري والانطباق» هي ورقة بحثية من إعداد سماحة العلامة السيد محمد بن علي العلوي، تهدف إلى معالجة إشكالية غياب النص القرآني عن المقالة البحثية ذات الطابع التحليلي.
يختص هذا التعليق بتقديم قراءة نقدية للورقة المذكورة من منظور «البحث الأكاديمي» ومقتضياته، دون الموضوع.
أولاً: عناصر القوة الأكاديمية:
- تحديد المشكلة (Problem Statement): أجاد الباحث بامتياز في تحديد إشكالية بحثية واضحة ومهمة، وعرَّفها للقارئ بصورة واضحة ومحددة. التساؤل الذي تناوله الباحث «لماذا يُحجم قلم المقالة البحثية ذات الطابع التحليلي عن الإقدام على اعتماد وطرح الآيات القرآنية» هو في الواقع سؤال جوهري في دراسات الفكر الإسلامي المعاصر، بيد أن الباحث عمد في هذه الورقة إلى المزيد من التخصيص في موضوع البحث، حيث مَيَّز بين «القلم المقالي البحثي» و «القلم الإنشائي أو الخطابي»، حاصراً البحث في النوع الأول، الأمر الذي أضفى دقة ضرورية لتحديد نطاق البحث بصورة ممتازة.
- هيكلية البحث والتسلسل المنطقي: اتبع الباحث في جميع أجزاء الورقة هيكلًا منطقيًا متسلسلًا، بدأه بمقدمة تؤصل لمرجعية القرآن الكريم، ثم انتقل إلى «مشكلة البحث» و «الأهداف»، ثم بدأ في تفكيك المفاهيم الأساسية مثل «الهداية» و «معضلة القواعد الفكرية»، قبل أن يصل إلى جوهر الإشكالية ليبدأ في ربطها بالروايات الصارفة عن التفسير السطحي ونظرية «الجري والانطباق». وبهذا، وظَّف الباحث هيكلية البحث بشكل جيد جداً لخدمة الهدف العام للورقة.
- التأصيل النظري: أسس الباحث الإطار النظري للورقة على نصوص تأسيسية تمثلت في القرآن الكريم والروايات الشريفة، وهو ما يتناسب مع المنهج «التحليلي التأصيلي» الذي تبناه الباحث في هذه الورقة. فاستخدام الباحث للروايات، مثل مرسل العياشي وموثقة السكوني، لم ينحصر في إطار الدلالة النقلية، بل تعدى الباحث ذلك إلى استعمالها كقواعد منهجية لتفسير الظاهرة موضوع البحث، كالتأكيد على أن «القرآن حي لا يموت» و «إنما يعرف القرآن من خوطب به».
ثانياً: ملاحظات منهجية وأكاديمية:
- منهجية البحث بين «التحليلي» و «المعياري»: تصف الورقة منهجها بأنه «تحليلي تأصيلي». ورغم نجاحها في الجانب «التأصيلي»، إلا أن الجانب «التحليلي» يميل إلى كونه معياريًا (Normative) أكثر من كونه وصفيًا (Descriptive).
مثال: لا تحلل الورقة أسباب «إحجام القلم البحثي» من منظور اجتماعي (سوسيولوجي) أو معرفي (إبستيمولوجي) خاص بالمناهج الأكاديمية الحديثة. بدلاً من ذلك، تركز على خطأ هذا الإحجام مقارنةً بالمنهج الصحيح وهو الالتزام بالثقلين بحسب الورقة. هي إذن تُجيب عن «لماذا يجب ألا يحجم القلم؟» أكثر من إجابتها عن «لماذا يُحجم القلم فعليًا؟».
- غموض نطاق المصطلح الرئيسي «القلم المقالي البحثي»: على الرغم من محاولة تحديد المصطلح «القلم البحثي» كتمييز عن «القلم الإنشائي»، يظل مصطلح «القلم المقالي البحثي» غامضًا بعض الشيء، حيث يبرز التساؤل الأكاديمي التالي: هل أن الورقة تقصد الأبحاث الأكاديمية في العلوم الإنسانية (كالتاريخ وعلم الاجتماع)؟ أم الأبحاث الفلسفية؟ أم الكتابات الفكرية والسياسية؟ حيث أن الإحجام عن استخدام النص الديني في كل حقل من هذه الحقول له أسباب منهجية مختلفة تمامًا، وبدون هذا التحديد، يصبح من الصعب تقييم دقة التشخيص.
- طبيعة مراجعة الأدبيات (Literature Review): تستشهد الورقة بـ «الشيخ محمد مهدي شمس الدين» و«السيد محمد باقر الصدر»، كنماذج لمفكرين قرروا هذه الإشكالية كمشكلة واقعية. بيد أن ما ينبغي أن يلتفت إليه الباحث هنا هو أنه في البحث الأكاديمي، لا تكفي الإشارة إلى أن مفكرين آخرين قد لاحظوا أو اتفقوا أو اختلفوا مع المشكلة، بل يجب على الباحث الدخول في حوار نقدي لتحليلاتهم ورؤاهم لهذه المشكلة؛ كيف حلل الصدر أو شمس الدين مثلاً هذه الظاهرة؟ وما الذي تضيفه هذه الورقة على تحليلاتهم أو ما خرجوا به من نتائج؟ فالاكتفاء بالإشارة إلى الأشخاص دون مناقشة أطروحاتهم يجعل مراجعة الأدبيات «تمهيدية» وليست «تحليلية».
- الانحياز التأكيدي (Confirmation Bias) في التحليل: يُظهر تصميم البحث انحيازًا نحو نتيجة محددة مسبقًا، وهو أمر شائع في الأوراق العقائدية لكنه يمثل إشكالية في البحث الأكاديمي المحايد.
مثال: تهدف الورقة إلى بيان أن إدراك الهداية يتطلب «تجردا عن المسبقات»، إلا أنها في موضع آخر تشترط «التجرد من مطلق المسبقات المؤثرة في الفهم، ما لم تكن من الله سبحانه وتعالى أو من المعصومين (عليهم السلام)». هذا الاستثناء هو في الواقع النتيجة النهائية للبحث، مما يجعل عملية البحث استدلالاً على صحة هذا المنهج (Advocacy) وليس استكشافًا حياديًا (Inquiry) لأسباب الظاهرة.
- تحليل السببية: تُرجع الورقة سبب الإحجام إلى «خطورة ممارسة الجري والانطباق»، والخوف من التفسير بالرأي.
نقد أكاديمي: هذا تحليل نفسي-ثقافي (Psychocultural) ربما يكون صحيحاً، إلا أنه من منظور البحث الأكاديمي يتجاهل السبب المنهجي-الأكاديمي الأهم: وهو أن «القلم المقالي البحثي» (خاصة في العلوم الاجتماعية والإنسانية) يعمل ضمن نموذج معرفي (إبستيمولوجي) مختلف، يرتكز على العقل التجريبي أو التحليلي-الوضعي، ويرى في النص الديني «مصدراً (Source)» وليس «سلطة حاكمة (Authority)» على التحليل. الورقة لا تناقش هذا الصدام المنهجي، بل تكتفي بتشخيص الخوف من الخطأ في تطبيق النص.
الخلاصة والتوصية:
تُعد هذه الورقة إسهامًا قيِّمًا في لفت الانتباه إلى إشكالية فكرية ومنهجية حقيقية، وهي فجوة «تفعيل» النص القرآني في الكتابات التحليلية المعاصرة، إلا أنها من منظور أكاديمي، تظل ورقة «تأصيلية معيارية» تهدف إلى إثبات صحة منهج محدد (الرجوع للثقلين كضابط للجري والانطباق)، أكثر من كونها بحثًا «تحليليًا وصفيًا» محايدًا يحلل أسباب الظاهرة (إحجام الأقلام البحثية) في سياقاتها الأكاديمية والفكرية المتعددة. وعليه، ونظراً لأهمية ورصانة هذه الورقة من الناحية التأصيلية، نوصي بأن يراجع الباحث ما تقدم من ملاحظات أكاديمية، ويعمد إلى معالجتها، لإضفاء قوة أكاديمية على الورقة، تعزز من أهليتها لأن تكون مادة مرجعية يمكن للباحثين والمهتمين الرجوع إليها أو مناقشتها، موافقةً أو معارضة، مما يساهم في إثراء هذه المسألة إثراءً علميًا قد يساهم في معالجة الإشكالية التي تناولها الباحث في هذه الورقة.
هذا والله ولي التوفيق
نادر الملاح
الأحد 19 أكتوبر 2025