
نادر الملاح
8 محرم 1445 هـ، 27 يوليو 2023
سَكِينَة بنتُ الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام. عُرفت بالعلم والأدب والفقاهة والتقوى والورع. قال النمازي في مستدركات علم رجال الحديث (ج8 ص580): "كانت عقيلة قريش، ولها السيرة الجميلة، وهي ذات الفضل والفضيلة والكرم الوافر والعقل الكامل والمكارم الزاهرة والمناقب الفاخرة، وهي سيدة نساء عصرها وأجملهن وأظرفهن وأحسنهن أخلاقا". وقال ابن كثير في البداية والنهاية (ج9 ص255): "كانت سكينة بنت الحسين من أحسن النساء حتى كان يُضرب بحسنها المثل"، وفي الأعلام للزركلي: "سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب: نبيلة شاعرة كريمة، من أجمل النساء وأطيبهن نفساً. كانت سيدة نساء عصرها" (ج3 ص106). وقال الشيخ عباس القمي في الآمال (ج1 ص463): "إنها امرأة تتميز بحصافة العقل وإصابة الرأي، وكانت أفصح الناس وأعلمهم باللغة والشعر والفضل والأدب".
كانت سكينة بنت الحسين من رواة الحديث الذين دُوِّنت لهم الكتب الروائية. ومن جملة ما روت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: "حَمَلةُ القرآن عرفاء أهل الجنة يوم القيامة" (المعجم الكبير للطبراني، ج3 ص132). وفي الإكمال في رفع الارتياب لابن ماكولا (ج4 ص316) أن "لها أخبارٌ مشهورة وقد روت عن أبيها". وذكرها ابن حبان في كتاب الثقات بأنها تروي عن أهل بيتها وروى عنها أهل الكوفة.
أمها هي الرباب بنت امرئ القيس بن عدي، فهي الأخت الشقيقة لعبد الله الرضيع الذي استشهد في كربلاء وكان عمره ستة أشهر، وهو أصغر شهداء الطف رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. وقد رُوي أن سكينة هو لقبها، وأن اسمها هو (آمنة) كما جاء في النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، ليوسف بن تغري (ج1 ص276). وقد اعتمد هذا القول الشيخ عباس القمي حيث قال: "إن اسمها آمنة، وقيل أمينة، وإنما أمها الرباب لقبتها بسكينة" (منتهى الآمال، ج1 ص181)، وذلك نقلاً عن ابن خلكان في ترجمته، وعلَّق بالقول: "ويظهر أن أمها إنما أعطتها هذا اللقب لسكونها وهدوئها. وعلى ذلك فالمناسب فتح السين المهملة وكسر الكاف التي بعدها، لا كما يجري على الألسن من ضم السين وفتح الكاف"، بمعنى أن يكون (سَكِينة) لا (سُكَينة). كما قال بذلك أيضاً ابن العماد الحنبلي والشبلنجي، واعتمد هذا الرأي المحقق الكبير السيد عبد الرزاق المقرم، صاحب المقتل، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج3 ص492).
كان أبوها الحسين عليه السلام يوليها رعاية خاصة، وقد وصفها في كربلاء بـ(خيرة النسوان)، حيث لما سمع بكاءها وقد اعتزلت النساء والأطفال، آلمه ذلك، فخاطبها قائلاً:
سيطولُ بعدي يا سَكِينةُ فاعلمي *** مِنْكِ البُكــاءُ إذا الحِمامُ دَهَانِي
لا تَحْرقي قلبي بِدَمـــعِكِ حَسْرَةً *** ما دامَ منِّي الروحُ في جُثماني
فإذا قُـتـــــلتُ فأنتِ أَوْلَى بالذي *** تأتيـــــــنه يا (خيرة النسوان)
والظاهر أنه لم يرد في ما وصل إلينا من كتب السيرة والتراجم سنة ولادتها ولا عمرها الشريف، رغم أنه ذُكر أن ولادتها ووفاتها كانت في المدينة، كما جاء في تهذيب الأسماء للنووي (ج1 ص263) وغيره من المصادر. قال السيد الأمين في الأعيان عن ابن خلكان: "توفيت السيدة سكينة بالمدينة يوم الخميس لخمس خلون من شهر ربيع الأول سنة 117 للهجرة"، وقال: "كانت سيدة نساء عصرها، ومن أجمل النساء، وعمرها على ما قيل خمس وسبعن سنة، فعلى هذا كان لها بالطف تسعة عشر سنة"، وقيل أنها أصغر من ذلك.
بعد استشهاد والدها في العاشر من المحرم سنة 61 للهجرة، صارت عليها السلام في رعاية أخيها علي بن الحسين زين العابدين عليهما السلام، وقد عاشت إلى ما بعد استشهاد زين العابدين، فتكون بذلك قد عاصرت أربعةً من الأئمة الهداة وهم الإمام الحسن والإمام الحسين والإمام زين العابدين والإمام محمد الباقر عليهم ونبينا الكريم أفضل الصلاة وأزكى السلام.
كلامٌ في زفاف القاسم بن الحسن عليهما السلام
هل زوَّج الإمام الحسين ابنته سكينة في كربلاء يوم العاشر من المحرم؟!
لا يكاد منبرٌ من منابر الحسين عليه السلام في كل عامٍ يخلو من إثارة مسألة زواج القاسم بن الحسن من سكينة بنت الحسين عليهم السلام في أرض كربلاء يوم العاشر من المحرم، سواءً بالتأييد والقول بصحة الحَدَث، أو بالنفي والقول بخرافيته. ومفاد الحديث هو ما ذكره البعض من أنه لما كان يوم العاشر من المحرم سنة 61 للهجرة، وبعدما عزم القاسم بن الحسن عليهما السلام على الخروج إلى الميدان، وكان صغيراً لم يبلغ الحلم أو بلغ الحلم لتوِّه، فكَرِه الحسين عليه السلام أن يُستشهد القاسم دون زواج، وكان أخوه الحسن عليه السلام قد أوصاه به، فعقد له على ابنته سكينة.
وأصل الحديث في هذه المسألة هو ما نقله فخر الدين الطريحي النجفي رضوان الله تعالى عليه في منتخبه، وهي رواية مرسلة لم يذكر سندها ولا مصدرها، ثم نقلها عنه السيد هاشم البحراني في كتاب مدينة المعاجز (المعجزة 931، ج3 ص366)، ونقلها الدربندي في كتاب أسرار الشهادة، والحائري في معالي السبطين، وغيرهم، وفيها أن "الإمام الحسين عليه السلام قد زوّجه (أي القاسم بن الحسن) بنتاً له". وكما نرى، فإن الرواية لم تفصح عن اسم البنت لا من قريب ولا من بعيد، كما أنه لم يرد لها سندٌ من قبل الناقل. ومع تناقل هذه الرواية على المنابر، ثبَّت بعض الخطباء والشعراء أن البنت المعنية في الرواية هي سكينة بنت الحسين، تعويلاً على ما يبدو على أنها كانت مسماةً للقاسم بن الحسن قبل أحداث كربلاء بحسب ما جاء في بعض الروايات، وهي روايات مرسلة أيضاً. ولهذا السبب نتناولها هنا ونحن نستعرض بعض جوانب حياة هذه السيدة الجليلة.
ولسنا هنا بصدد مناقشة حقيقة زواج القاسم من سكينة أو غيرها، وما إذا كان ذلك قد تم في كربلاء أم لا، حيث أدلى أهل العلم كلٌّ برأيه في المسألة، بين مُثْبتٍ لوقوع العقد دون الزفاف، ورافض للفكرة من أصلها. وإنما محط حديثنا هنا هو أنه لا يمكن لأيٍ من الفريقين، المؤيد للرواية أو الرافض لها، أن يجزم ويقطع بصحة رأيه. فللمؤيدين استدلالاتٌ وردود، وللمعارضين استدلالاتٌ وردودٌ أيضاً. وهذا أمرٌ طبيعي لا يجب أن يرقى إلى مستوى الخلاف، ولا يجب أن يشوبه التعصب في الطرح من قبل أيٍّ من الفريقين، إذ لابد من الالتفات إلى أن التعامل مع الروايات التأريخية يختلف من حيث الدقة والضبط عن التعامل مع روايات الأحكام، لما لروايات الأحكام من علاقة بعمل المكلف وتكليفه الشرعي، بعكس تلك التي لا يترتب عليها أثر عملي غالباً، أو يُسأل الإنسان عن اعتقاده بها يوم القيامة. لذا، نجد الكثير من التسامح في قبول الروايات التأريخية غير المرتبطة بالعقيدة، ولا يعني ذلك أنها بمنأى عن النقد والتمحيص. وفي شأن هذه المسألة تحديداً، أي مسألة التزويج، لابد وأن يتذكر الجميع، المؤيد والمعارض، أن الإمكان العقلي موجودٌ إذ لم تَرْقَ الأدلة التي ساقها المعارضون إلى درجة اليقين بعدم وقوع الزواج، بالأخص مع علمنا بأن المقاتل وروايات أحداث واقعة الطف لم تنقل لنا كل شاردة وواردة، ولم تصل إلينا بتلك الدقة التي نستطيع معها الجزم بقرائن قطعية على عدم حدوث التزويج. أي أن الاحتمال والإمكان العقلي قائمان بالفعل، وليس الاستحسان أو الاستهجان مما يُمكن التعويل عليه، وعليه، فإن القول بوقوع الزواج أو عدمه، لا يُنقص من العقيدة شيئاً ولا يزيد. هذا، مع الأخذ بعين الاعتبار أن معظم المنابر اليوم إنما تتناول ما يُعرف بـ(زفاف القاسم) من باب إظهار الألم والتحسر على فقدان شاب في مقتبل العمر قبل أن تفرح أمه بزفافه كما هي حال أقرانه، ولا يخفى مدى حسرة كل أمٍّ تفقد شابًّا في مثل هذا الوضع، فكيف والمفقود هو القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
ومع كل الاحترام والتقدير للفريقين، المؤيد والمعارض، فإن قبول رواية العقد دون الزفاف لا يقتضي بالضرورة أن تكون البنت المعنية هي سكينة بنت الحسين، ورفض الرواية لا يقتضي بالضرورة نفي وجود سكينة في كربلاء كما فعل البعض انتصاراً لفكرته ورأيه في مسألة هذا الزواج. كما أن قبول فكرة التزويج، لا يعني أن ولاء من يرفضها لأهل البيت مخدوش، وفي المقابل فإن رفضها لا يعني أن من يقول بها يسيء إلى أهل بيت النبوة أو ينتقص من مقامهم أو يشوه المذهب كما ذهب إلى ذلك البعض تطرُّفاً. لذا، ينبغي عند بحث هذه المسألة النظر في الأدلة والأحداث ومناقشتها سعياً للوصول إلى ما يمكن أن يكون هو واقع الحال دون الإساءة إلى الآخر، ودون أن يزعم القائل قطعية رأيه الذي يراه صائباً، وذلك لتحاشي الوقوع في مأزق التصديق أو التكذيب على غير بيِّنة، ومن ثم فتح المجال أمام أعداء أهل البيت عليهم السلام للمزيد من العبث في السيرة الطاهرة للسادة المكرمين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وإنكار الكثير من الأحداث التي لا تروق لهم.
ولعل الأهم في عرض سيرة هذه السيدة الجليلة، هو الالتفات إلى الفِرْيَةِ العظيمة التي بكل أسف صار بعض كتاب الشيعة وباحثيهم يتناولونها على أنها واقع، ومنهم من يمر عليها مرور الكرام وكأن شيئاً لم يكن، فيما يتوقف البعض لمحاولة تبريرها أو إيجاد مخارج مقبولة لها، بينما هي في الواقع من مفتريات أهل الضلال التي حاولوا من خلالها تشويه صورة أهل البيت عليهم السلام. وهذا ما نحاول أن نسلط عليه بعض الضوء فيما يلي.
الفرية العظيمة: زواج سكينة من مصعب بن الزبير ولقاءاتها مع الشعراء والمغنين
كما هي حال العظماء من أهل بيت النبوة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، تعرضت سيرة هذه السيدة الجليلة لافتراءات عديدة تناقلتها الأقلام دون فحص وتمحيص. ونستعرض هنا أكثر تلك المزاعم انتشاراً وأوسعها تداولاً، وهي فرية أن سكينة بنت الحسين عليه السلام كانت تستقبل الشعراء كجرير والفرزدق وغيرهم الكثير كما ذكر ابن الجوزي في المنتظم في تاريخ الأمم والملوك (ج7 ص178)، وكانت تستمع إليهم وهم ينشدون الشعر وتعطيهم العطايا والهدايا، وأنها أول من أسست نادياً للشعراء آنذاك كما ذكر ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق (ج69 ص208). وقال الزركلي في الأعلام (ج3 ص106): "كانت تجالس الأجِلَّة من قريش، وتجمع إليها الشعراء فيجلسون بحيث تراهم ولا يرونها، وتسمع كلامهم فتفاضل بينهم وتناقشهم وتجيزهم". وكذا قال أبو الفرج الأصفهاني في الأغاني، وزاد عليه القول بأنها قد تزوجت مصعب بن الزبير، وذلك وفقاً لرواية آل الزبير الذين أخذ عنهم أبو الفرج الأصفهاني وأخذ عنه ذلك كثيرون من بعده دون تمحيص أو تحقيق، رغم العداوة الظاهرة والمعلومة من آل الزبير لبيت علي بن أبي طالب عليه السلام. وراوي هذه الفرية هو الزبير بن بَكَّار، وهو من الوضَّاعين للحديث المجاهرين بالنصب لآل البيت عليهم السلام، ولم يُقبَل حديثُهُ حتى من أصحاب الصحاح، فلا أثر لأحاديثه في صحيحي مسلم والبخاري لشهرته في الوضع واختلاق الأحاديث. وقال عنه ابن أبي حاتم: "رأيته ولم أكتب عنه"، وقال ابن حجر أن له أشياء مُنكَرَة، وجميع أفراد أسرته معروفون بانحرافهم عن أهل البيت عليهم السلام. ولسوء أهوائه ونصبه الظاهر قَرَّبه المتوكل العباسي وأغدق عليه العطايا (تصحيح القراءة، للبغدادي، ص110-111). بل ونقل الأصفهاني ما يزيد على ذلك، وما فيه من المجون والانحراف عن سيرة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ما لا يليق بعوام المسلمين فضلاً عن سكينة بنت الحسين التي شهد الإمام المعصوم في حقها إذ سماها (خيرة النسوان). قال الأصفهاني: "حديثه مع سكينة بنت الحسين وما قاله فيها من الشعر: أخبرني عليّ بن صالح قال حدّثنا أبو هفّان عن إسحاق عن أبي عبد اللَّه الزّبيريّ قال: اجتمع نسوة من أهل المدينة من أهل الشرف، فتذاكرن عمر بن أبي ربيعة وشعره وظرفه وحسن حديثه، فتشوّقن إليه وتمنّينه، فقالت سكينة بنت الحسين عليهما السّلام: أنَّا لَكُنّ به. فأرسلت إليه رسولا وواعدته الصّورين، وسمّت له الليلة والوقت، وواعدت صواحباتها، فوافاهنّ عمر على راحلته، فحّدثهنّ حتى أضاء الفجر…" (الأغاني، ج1 ص146-147).
وقد رفض علماء الشيعة وجمعٌ من علماء السنة هذه الفرية، إلا أن بعض الجهال كلما رأوا رواية أو حكاية تخالف المألوف أو تشكل مادةً للاختلاف عمدوا إليها ونشروها، رغم عدم علمهم أو مقدرتهم على التفريق بين الصالح من الطالح، والصحيح من الفاسد. لكن المؤسف أن بعض أكابر العلماء الأفاضل مع رفضهم لهذه الرواية انبروا للدفاع لا برد الفرية وفضحها، بل بإيجاد التخريجات، ما جعل البعض يفهم أن أصل الفرية صحيح وربما بعض النقل لم يكن دقيقاً، ومثال ذلك ما ذكره السيد الأمين رضوان الله تعالى عليه في أعيان الشيعة، حيث قال: "في بعض الأخبار أنها كانت تجالس الأجِلَّة من قريش ويجتمع إليها الشعراء وهو باطل، وإنما كان الشعراء يجتمعون على بابها فتخرج إليهم بعض جواريها وتسمع أقوالهم وتسمعهم أقوالها بواسطة جواريها وعلى لسانهن" (أعيان الشيعة، ج3 ص493).
ورغم المقام الجليل للسيد الأمين، إلا أن كلامه هذا مردودٌ مرفوض، إذ لا يعدوا الأمر كله أن يكون أكذوبةً اختلقها آل الزبير وروجوا لها، فكم مشهورٍ لا أصل له، فكيف والأمر يتعلق بتشويه صورة أهل البيت عليهم السلام وتجميل أعدائهم. ولعل من أفضل القول في هذا المقام ما ذكره الشيخ عبد الرزاق المقرم رضوان الله تعالى عليه في كلام مفصل أورده في كتابه حول حياة سكينة عليها السلام، منه قوله: "لقد تجلى لنا ونحن نسبر المدونات ونمحص الأحاديث أن أول من وضع الأحاديث الشائعة في ابنة الحسين عليه السلام (سكينة) هو مصعب الزبيري المتوفى سنة 236 في كتابه (نسب قريش) لينصرف المغنون والشعراء عن ابنتهم سكينة بنت خالد بن مصعب بن الزبير، التي تجتمع مع ابن أبي ربيعة الشاعر والمغنيات يغنين لهم. وزمَّر بها مرافقه في بغداد المدائني المتوفى سنة 225 وزاد عليها الزبير بن بكار وابنه، وتلقاها المبرد المتوفى سنة 285 عن هؤلاء الوضاعين، وعنه أخذها تلميذه الزجاجي وغيره، من دون تمحيص فأضلوا كثيراً من الكتاب والمؤرخين حتى رووها بلا إسناد، متوهمين أنها من المسلمات. ثم جاء أبو علي القالي تلميذ الزجاجي، الأموي الفكر والعقيدة، فسجل في أماليه ما تلقاه من أستاذه قصداً للحط من كرامة البيت العلوي خصوصاً، وقد تقلب في نعمة الناصر عبد الرحمن الأموي".
وسُئل العلامة الحلي، المتوفى سنة 726 للهجرة: "ما يقول سيدنا الإمام العلامة فيما يُنقل عن سكينة بنت الحسين عليه السلام أنها كانت تراجع الشعراء وتكلمهم وتخبرهم، فهل هذا صحيح أم لا، وهل كانت تخاطبهم مشافهة أو على لسان أحد؟…"، فأجاب رضوان الله تعالى عليه: "لا يجوز أن يُنسب أحدٌ من الذرية إلى ارتكاب مُحَرَّمٍ مُتفق على تحريمه، وإسناد النقص إلى الرواة أولى من إسناده إليهم عليهم السلام" (أجوبة المسائل المهنائية، ص39).
ويظهر لنا من توجيه هذا السؤال إلى العلامة الحلي مدى انتشار هذه الفرية وتأثيرها في عوام الشيعة، وما خلقته من لَبْسٍ في أذهانهم، حتى بلغ الأمر لأن يتوجهوا بالسؤال إلى أهل العلم استفساراً عن صحته.
نقول، إن فضح هذه الفرية العظيمة في حق السيدة الجليلة سكينة بنت الحسين عليهما السلام، وفي حق البيت المحمدي العلوي لهو أولى وأهم في التناول من قبل الخطباء الأجلاء من الخلاف حول أمرٍ لا يغير في العقيدة، ولا ينتقص من الإيمان شيئاً، إن صح أو لم يصح. فمسؤولية من يرتقي منبر الحسين عليه السلام أن يحارب الأباطيل ويدحض الافتراءات التي ملأت بطون الكتب لتشويه صورة أهل بيت النبوة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، بهدف تنفير الناس منهم، والتشكيك في مقاماتهم وعصمتهم، وإسدال الستار على مجون وانحرافات أعدائهم، والله المستعان على ما يصفون.
السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين.
اللهم ثبتنا على ولاية الطاهرين، واهدنا سواء السبيل، وأحسن خواتيم أعمالنا إلى خير ما تحب وترضى، إنك أنت السميع المجيب، وصلي يا رب وسلم وزد وبارك على محمد وآله الطاهرين، وارزقنا في الدنيا ولايتهم، وفي الآخرة شفاعتهم، وتوفنا على هذا العهد برحمتك يا أرحم الراحمين.