بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمَّد وآله الطيبين الطاهرين.
مقدمة:
لا يخلو إحياؤنا لذكرى عاشوراء -في الغالب- مِنَ الصراعات والنزاعات الجدليَّة، والعقيمة الَّتي لا تُنتج حُلولًا ولا تصحح واقعًا خاطئًا، وبالرغم من تَكرُّر التأزيم والتخاصم فإنَّ المجتمع لا يترك مسبباته ولا يُعرِض عن مُحرِّكاته، وإنْ ظهرت بعضُ المحاولات فسرعان ما ينقطع نَفَسُهَا أمام القدرة الفريدة للصراعات والنزاعات على تغيير جلدها وتبديل ألوانها باستمرار يُتعِبُ المُتابِعَ.
ضَرْبُ الرؤوس بالسيوف.. كثرةُ المضائف.. الكلامُ حول انضباط المنبر من عدمه.. الطرحُ السِّياسي في قصائد العزاء ومواضيع المنبر.. وغير ذلك الكثير من المسائل..
نُفَكِّرُ كثيرًا ونحاول جادِّين تحليل الواقع وفهمه بما يمكِّنُنا مِنَ الوقوف على مناشئ وأسباب ما نعيشه في كلِّ عام من جدلٍ ولَغَطٍ وتصادمٍ وزيادةٍ في التَّشَظِّي، وبعد ذاك فإنَّ مِمَّا راجعناه مليًّا أمرَ (النَّفس الجمعيَّة)[1]؛ لمعرفتنا بعظيم خطرها ومحوريتها في تسبيب المشاكل والتعمية عن الواقع والإضلال عن الصواب، وقد عقدنا العزم على استعراض هذه الرؤية وتحريرها في رسالة برجاء أن يكتب الله تعالى فيها الخير والصَّلاح لتكون مشاركةً مع الجهود المبذولة على طريق رضى الله جلَّ في عُلاه.
فقُلْنَا:
تفرضُ (النَّفسُ الجمعيَّةُ) واقعًا شديدَ الثَّباتِ فاقِعَ المًظْهَرِ شَرِسًا في الدِّفاع عن نفسه ووجوده، وهو في الغالِب الأعمِّ مُبَعِّد عن الحقيقةِ حاجب ومُضِل عنها، والسرُّ في ذلك قيامه على قوَّةِ حُضُورِهِ الجماهيري وعُنْفِهِ في مواجهة كلِّ ما يَحْتَمِلُ منه تهديدًا أو ما في حكمه؛ لخوفه العميق من الوقوف في قبال المحاجَّةِ البرهانية أو الاستدلالية الصحيحة؛ فهو في حقيقته يقوم على التآزر العاطفي والتناشد النفسي. فالنفس الجمعيَّة أعجز دائمًا عن فهم واستيعاب البرهان القويم والاستدلال الصحيح وإنْ كان اجتماعها في بعض الموارد على نتائجهما، إلَّا أنَّها في جميع حالاتها من أشدِّ المتقمصين تقمُّصًا للبرهان والاستدلال. ومِنْ هنا تنشأ صعوبة مواجهتها والتعامل النقدي معها.. أقصد (النَّفس الجمعيَّة).
في المظاهر (الجماهيريَّة "النَّوعيَّة") تتراجع ثقةُ الفردِ في فهمه الشَّخصي وتقديراته وتشخيصاته، ويذهب بقوَّة في البناء على موافقته لِما عليه الجماعة، بل ويبني على أنَّ الانضمام لهم والكون على ما هم عليه هو (عين العقل) و(رأس الحكمة) و(معدن الصواب)، ولهذه الحالة عِلَّةٌ عميقةٌ في النَّفس البشريَّة؛ هي:
حاجة الإنسانِ إلى قوَّة يركن إليها ويحتمي بها، وهي إمَّا أن تكون في نفسه، أو في غيرها. وكلَّما كانت القوَّةُ النفسيَّةُ أشدَّ استغنى عن الغير، وكلَّما ضعفَت تصاعد جِدُّهُ في البحث عن الغير طلبًا للقوَّة.
القوَّة: شاء اللهُ تعالى لبني آدم العيشَ في حياةٍ سِمَتُها التصارع والتنازع، وقد قال جلَّ في علاه (قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ)[2]، فالإنسان يحرص ويسعى دائِمًا إلى أن لا يكون تحت طائِلَة أيِّ قوَّةٍ قد تهتك ستره أو تهدم صورته وتُهشِّمُ ظهره، ولذلك فهو إمَّا:
أن يعتزل النَّاس ويعيش بمنأى عن كلِّ ما قد يُعرِّضه لما يفرُّ منه.
أو أن يكون من أولئك الذين يردون الحجر من حيث أتاهم، بغض النظر عن كونهم على صوابٍ أم لا.
أو أن يكون صاحب ثوابت حقيقيَّة، وقناعات متينة، وأفكار مُتَّزِنة، مع تمكنه من إظهارها والدفاع عنها البرهان والدليل والتزام الموضوعيَّة والخُلق القويم. أو أن يكون كذلك، ولكنَّه يدافع عن نفسه بالصراخ وما نحوه، أو أن يكون ذا قوَّة في الجدل والمحاجَّة.
أو أن يكون صاحب أباطيل وضلالات قد عمي عن غيرها ولا يبصر سواها، مع قوَّته في المشاغبات والتحولات الجدليَّة.
لك ان تفترض صُوَرًا أخرى، وهي صحيحة ما دامت تبتني على ما يوفر للإنسان الفرد القوَّةَ على حماية نفسه عن ما يُهدِّد وجودها أو اعتبارها.
ثُمَّ إنَّ تراجع تلك القوَّة يعني، غالبًا، توجُّه الإنسان لِما يعوِّض ضعفه بانتسابه إلى قوَّة خارجيَّة تكون سببًا في صرف الأنظار عنه كفرد.
تنبيه: يحسن التنبيه إلى أنَّ هذا الضعف الَّذي نعنيه ليس بالضرورة أن يكون ظاهرًا، بل ما نحاول الإشارة إليه وكشف اللثام عنه هو ذلك الضعف المستتر في عمق النفس وقرار الفكر إلى الحدِّ الَّذي يكون عنده شديد الخفاء، وأكثر من ذلك أن تُعْرَف شخصيةُ صاحبِه بالقوَّة والرزانة.
إنَّ الشخصيَّةَ الَّتي يكون الحكم فيها للعقل، ولا يخطو صاحبها خطوة إلَّا عن معرفة وازنة شخصيةٌ عزيزةُ الوجود، وهذه حقيقة ينبغي الوقوف عليها وفهمها لكلِّ من طلب كمالًا وسعى إلى حُسْن.
إذا اتَّضح ذلك، فاعلم جيِّدًا بأنَّ هذه الحالة النفسيَّة في الإنسان شديدة التعقُّد، وقد تكون من أصعب موارد جهاد النفس؛ وقد نقل العلَّامة المجلسي (رحمه الله تعالى) عن تاريخ بغداد قول النبي (صلَّى الله عليه وآله) لعمَّار بن ياسر: "يَا عَمَّارُ؛ إِنْ رَأَيْتَ عَلِيًّا قَدْ سَلَكَ وَادِيًا، وَسَلَكَ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَادِيًا فَاسْلُكْ مَعَ عَلِيٍّ؛ فَإِنَّهُ لَنْ يُدْلِيَكَ فِي رَدًى، وَلَنْ يُخْرِجَكَ مِنْ هُدًى"[3]، ومع ذلك فقد روى الشَّيخ المفيد (رحمه الله) بسنده عن عمرو بن ثابت، قال: سمعتُ أبا عبد الله (عليه السَّلام) يقول: "إِنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) لَمَّا قُبِضَ ارْتَدَّ النَّاسُ عَلَى أَعْقَابِهِمْ كُفَّارًا إِلَّا ثَلَاثًا؛ سَلْمَانُ وَالْمِقْدَادُ وَأَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ، إِنَّهُ لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) جَاءَ أَرْبَعُونَ رَجُلًا إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَقَالُوا: لَا وَاللَّهِ؛ لَا نُعْطِي أَحَدًا طَاعَةً بَعْدَكَ أَبَدًا.
قَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): وَلِمَ؟
قَالُوا: إِنَّا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) فِيكَ يَوْمَ غَدِيرِ [خُمٍ].
قَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): وَتَفْعَلُونَ؟
قَالُوا: نَعَمْ.
قَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): فَأْتُونِي غَدًا مُحَلِّقِينَ. قَالَ: فَمَا أَتَاهُ إِلَّا هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ. قَالَ: وَ جَاءَهُ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ بَعْدَ الظُّهْرِ فَضَرَبَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ قَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) لَهُ: مَا لَكَ أَنْ تَسْتَيْقِظَ مِنْ نَوْمَةِ الْغَفْلَةِ؟! ارْجِعُوا؛ فَلَا حَاجَةَ لِي فِيكُمْ. أَنْتُمْ لَمْ تُطِيعُونِي فِي حَلْقِ الرَّأْسِ فَكَيْفَ تُطِيعُوني فِي قِتَالِ جِبَالِ الْحَدِيدِ؟! ارْجِعُوا فَلَا حَاجَةَ لِي فِيكُم"[4].
إزالة شبهة: إنَّ عمَّارًا من أجلَّة الأصحاب، وينبغي أن نفهم جيِّدًا ونعي عدمَ معارضة الروايات المادحة له للأخرى التي يظهر منها الخفض، بل الصحيح أنَّ هذه الأخيرة تروي ما يناسب غير المعصوم من وقوع الأخطاء منه والزلات، ولكنَّها أخطاءٌ وزلَّاتٌ لا تنفي عدالةَ الواردة فيه واستقامتَه بالنظر إلى مجمل سيرته والقياس عليها. فافهم واحذر العصبية، والتزم الموضوعيَّة.
إنَّ من أشدِّ جهاد النَّفس حملها على التخلي عن الاحتماء بقوَّة الغير وتحمُّل ألم الوحدة.
مِثال في عمق العقيدة: آمن مَن آمن بنبوة الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) أوَّل الأمر في وبداية دعوته المباركة، وكان حينها امتثالُهم لما يأتيهم عنه (صلَّى الله عليه وآله) امتثالًا عن عقيدةٍ راسِخَةٍ وإيمانٍ ثابت، ولذلك كانوا مُسلِّمين لا يُثنيهم عن إيمانهم عدمُ فَهمهم لعلل وتفسيرات بعض المسائل الشرعيَّة مثل كيفيَّة الصَّلاة وأعمال الحج!
ثُمَّ إنَّ أهل القرون التالية لهم التزموا نفس الأحكام الشرعيَّة، ولكن ليس بالضرورة أن يكون التزامهم عن إيمان راسخ وتسليم؛ فقد يقصد المسلمُ الحجَّ ويطوف ويسعى ويرمي لكونه مع الجمهور، وبذلك هو لا يعتني بعدم حصوله على تفسير لمثل هذه المناسك، ولو أنَّه يتوقَّف عندها ويحاول تعقُّلها بعيدًا عن التسليم فلربَّما ارتدَّ عن الإسلام فيما لو لم يكن إسلامه عن عقيدة ثابتة. فافهم رعاك الله مدى خطورة اجتماع الجمهور وأثره العميق في السلوك الذهني والعملي للإنسان.
أمَّا المؤمنُ المُسَلِّمُ رَاسخُ العقيدَةِ فإنَّه يحجُّ متيقنًا عظمةَ المناسك وارتباط حكمتها بحكمة الله جلَّ في علاه، فلا يفرق عنده الحجُّ منفردًا أم مع جماهير المسلمين.
إنَّ مثلَ هذه المظاهر العبادية الجماعيَّة تحمي طوائف وشرائح مِنَ المسلمين مِنَ الانحراف بحثًا عن جهة يحتمون ويستقوون بها، فللنفسيَّة الجمعيَّة إذن آثار طيبة يرضاها الإسلامُ، بل يطلبها بها.
إنَّما سقتُ هذا المثال الحسَّاس للتنبيه على خطورة النفسيَّة الجمعيَّة ودورها في توجيه السلوكين الذهني والنفسي للإنسان، ويكفيك لفهم ذلك تأمُّل من يعبد البقر من حاملي أرفع الشهادات الأكاديميَّة!
بيان آخر: هناك من يترك دينه عندما يبتعد عن مجتمعه ويهاجر إلى مجتمعات أخرى ليست على ما هو عليه، ومن أسباب ذلك ابتعاده عن سلطة النفسيَّة الجمعيَّة وجهات سيطرتها عليه، والحال أنَّ التزامه باسم الدِّين لم يكن عن عقيدة وفهم.
لقد اعتنى الإسلام بتوجيه المؤمنين إلى المحافظة على وجودهم في جماعة الإخوان، وحذرهم من الاختلاط مع أهل الزيغ والريب، وكذا من الهجرة عن بلاد الإيمان، ومن كلِّ ما يُعرِّض دينهم وعقيدتهم إلى التزلزل.
تعدُّد مظاهر (النفسيَّة الجمعيَّة): للنفسيَّة الجمعيَّة مظاهر قد لا تبدو لكثيرين أنَّها منها، ولكنَّ الواقع على عكس ذلك؛ فهي من آثارها المباشرة إن لم تكن منها، ومن أمثلتها هروب الفرد من (النفسيَّة الجمعيَّة)؛ إذ أنَّ نفس هروبه إذا كان ناشئًا عن مجرد الخوف من الكون مع الجمع وقوعٌ في آثار تيَّار الجماهير.
ومن مظاهرها أيضًا استحالة فرض القوانين و المبادئ وما شابه من المُلزِمَات على التيَّار الجماهيري، وإذا مورس شيءٌ من الضغط عليه فإنَّ من أبرز سماته حينها ظهور الانشقاقات وبحثها عن تكوين وجودٍ جماهيري يبتعد عن مصادر الضغط ويحمي نفسه منها، لذا فإنَّ بعض الانشقاقات والتشظيات هي في واقعها مِن الآثار المباشرة للنفسيَّة الجمعيَّة.
ومِنها الاصطفافات وإعلان الانتماء، والتقليد في مِثل الملبس وطريقة الكلام وما نحو ذلك مِمَّا ينادى بكون صاحبه من هذه الجماعة أو تلك، وقد يسحق شخصيته ويبتذلها في سبيل عدِّه منها؛ أعني الجماعة..!
ومِنْ مظاهرها الخطيرة سكوت الكبير موافقةً لسكوت كبير آخر بحجَّة أنْ لو كان من داع للكلام أو الاعتراض لفعل، وهكذا يسكت آخر وآخر، وهذا هو عين ما وقع فعلًا مع أبي جعفر الشَّيخ محمَّد بن الحسن الطوسي (385 – 460 هـ) عندما أحجم علماءُ عن مخالفته لقناعتهم بأنَّه الأعلم والأفهم، إلى أن جاء أبو عبد الله الشَّيخ محمَّد بن منصور بن أحمد بن إدريس الحلي (543 – 598 هـ) ليُقَوِّي التوجُّه لمناقشة شيخ الطائفة في آرائه، وقد قال في خاتمة السَّرائر: "إلى هاهنا يحسن الانقطاع، ويذعن بالتوبة والإقلاع من زلل إن كان فيه، أو خلل، ونقسم بالله تعالى على من تأمله أن لا يقلدنا في شيءٍ منه، بل ينظر في كل شيءٍ منه نظر المستفتح المبتدي، مطرحًا للأهواء المزينة للباطل بزينة الحق، وحب المنشى والتقليد، فداؤهما لا يُحْسِنُ علاجه جالينوس، وتعظيم الكبراء وتقليد الأسلاف والأُنْس بما لا يعرف الإنسان غيره يحتاج إلى علاج شديد، وقد قال الخليل بن أحمد العروضي (رحمه الله): الإنسان لا يعرف خطأ معلمه حتَّى يجالس غيره، فالعاقل يكون غرضه الوصول إلى الحق من طريقه، والظفر به من وجهه وتحقيقه، ولا يكون غرضه نصرة الرجال، فإنَّ الذي ينحون هذا النحو، قد خسروا ما ربحه المُقَلِّد من الراحة والدعة، ولم يسلموا من هجنة التقليد، وفقد الثقة بهم، فهم لذلك أسوء حالا من المُصَرِّح بالتقليد"[5].
إنَّ النَّفس الجمعيَّة بمختلف مظاهرها نواةٌ حيَّةٌ لأشدِّ النِّزاعات في المجتمع وأعقدها. ونحن عندما نتتبع ونحلِّل ما يُطرح فيه من آراء وأفكار، وما يدور من وفاق وخلاف، وتصالح ونزاع، فإنَّنا حينها نقف على مدى خطورة النفسيَّة الجمعيَّة وعمق آثارها في عموم المجتمعات القريبة والبعيدة؛ إذ أنَّ السواد الأعظم من الصراعات يرجع إلى هواجس باطلة متعلقة بمساحات السيطرة وكسب الجمهور. ومنها: هاجس سرقة السَّاحة.. وهاجس سحب البساط.. وهاجس السيطرة على الجمهور، وما إلى ذلك من عناوين لو لاها لما تفاقمت الخلافات ولبقيت في حدود دائرة المختلفين وما بينهم من مناقشات. ولو لاها لما ترعرعت الخطابيات وتكاثفت أغصانها في السلوك الذهني عند الكثير مِن.. النَّاس.
نفهم إذن الغرض من تكرار التحذير من الكثرة. قال تعالى: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)[6]، وقال عزَّ مِنْ قائِل: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ)[7]، وبالرغم من ذلك تجد طلبَ الجماهير ركيزةً في عمل الكثيرين، فيما يروي الشَّيخ الكليني (رحمه الله) بسنده عن عبد الواحد بن المختار الأنصاري، قال: قال أبو جعفرٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): "يَا عَبْدَ الْوَاحِدِ، مَا يَضُرُّ رَجُلًا إِذَا كَانَ عَلى ذَا الرَّأْيِ مَا قَالَ النَّاسُ لَهُ وَلَوْ قَالُوا: مَجْنُونٌ؟ وَمَا يَضُرُّهُ وَ لَوْ كَانَ عَلى رَأْسِ جَبَلٍ يَعْبُدُ اللَّهَ حَتّى يَجِيئَهُ الْمَوْت؟"[8]، وقال في المستدرك: "أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ فَهْدٍ الْحِلِّيُّ فِي كِتَابِ التَّحْصِينِ، رَوَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ صَبِيحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يَقُولُ: لَوْ لَا الْمَوْضِعُ الَّذِي وَضَعَنِي اللَّهُ فِيهِ لَسَرَّنِي أَنْ أَكُونَ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ لَا أَعْرِفُ النَّاسَ وَلَا يَعْرِفُونِي حَتَّى يَأْتِيَنِي الْمَوْتُ"[9].
إنَّنا في واقع حياتنا نولي أهميَّة بالغة للجمهور والأتباع، وبفنون تلقينهم ما نريد لهم أن يكونوا عليه. وفي المقابل فَمَن مِنَّا يقنع بشخص واحدٍ نوعي يكون هو محل اهتمامه ومركز عنايته؟ في الواقع أنَّ هذا لا يكون غالبًا إلَّا في سياق العمل التنظيمي السَّاعي لكسب الجماهير والسيطرة على الساحات!
الرواياتُ الوارِدَةُ في إحيَاءِ أمْرِهم (عليهم السَّلام):
عندما يُطرح اليوم مصطلح (إحياء أمر أهل البيت عليهم السَّلام) فإنَّ الانصراف حينها إلى المآتم ومنابرها ومواكب العزاء وما يدور في فلكها، بل قد لا يُتحدَّث عن (إحياء الأمر) في غير مناسبات مواليد ووفيات أهل بيت العصمة (عليهم السَّلام)، والحال أنَّ للإحياء في الروايات الشريفة تحديدات وأبعادًا رئيسيَّة مغفول عنها، ويتضح ذلك بملاحظة ما اشتملت عليه عُمَدُ الروايات في هذا الباب. ومنها:
ما عن شُعَيبٍ الْعَقَرْقُوفِيِّ، قال: "سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: اتَّقُوا اللَّهَ، وَكُونُوا إِخْوَةً بَرَرَةً، مُتَحَابِّينَ فِي اللَّهِ، مُتَوَاصِلِينَ، مُتَرَاحِمِينَ. تَزَاوَرُوا، وَتَلَاقَوْا، وَتَذَاكَرُوا أَمْرَنَا، وَأَحْيُوه"[10].
وعن خَيثَمَةَ الجُعفِي، عن أبي عبد الله (عليه السَّلام)، قال: "دَخَلْتُ عَلى أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) أُوَدِّعُهُ، فَقَالَ:
يَا خَيْثَمَةُ، أَبْلِغْ مَنْ تَرى مِنْ مَوَالِينَا السَّلَامَ، وَأَوْصِهِمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الْعَظِيمِ، وَأَنْ يَعُودَ غَنِيُّهُمْ عَلى فَقِيرِهِمْ، وَقَوِيُّهُمْ عَلى ضَعِيفِهِمْ، وَأَنْ يَشْهَدَ حَيُّهُمْ جِنَازَةَ مَيِّتِهِمْ، وَأَنْ يَتَلَاقَوْا فِي بُيُوتِهِمْ؛ فَإِنَّ لُقِيَّا بَعْضِهِمْ بَعْضًا حَيَاةٌ لِأَمْرِنَا، رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا أَحْيَا أَمْرَنَا.
يَا خَيْثَمَةُ، أَبْلِغْ مَوَالِيَنَا أَنَّا لَا نُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِلَّا بِعَمَلٍ، وَأَنَّهُمْ لَنْ يَنَالُوا وَلَايَتَنَا إِلَّا بِالْوَرَعِ، وَأَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ وَصَفَ عَدْلًا، ثُمَّ خَالَفَهُ إِلى غَيْرِهِ"[11].
ورواها بكر بن محمَّد عن أبي عبد الله (عليه السَّلام)، قال: "قَالَ لِخَيْثَمَةَ وَأَنَا أَسْمَعُ: "يَا خَيْثَمَةُ، اقْرَأْ مَوَالِيَنَا السَّلَامَ، وَأَوْصِهِمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الْعَظِيمِ، وَ أَنْ يَعُودَ غَنِيُّهُمْ عَلَى فَقِيرِهِمْ، وَقَوِيُّهُمْ عَلَى ضَعِيفِهِمْ، وَأَنْ يَشْهَدَ أَحْيَاؤُهُمْ جَنَائِزَ مَوْتَاهُمْ، وَأَنْ يَتَلَاقَوْا فِي بُيُوتِهِمْ، فَإِنَّ لُقْيَاهُمْ حَيَاةٌ لِأَمْرِنَا. ثُمَّ رَفَعَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يَدَهُ فَقَالَ: رَحِمَ اللَّهُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَنَا"[12].
وعنه، عن أبي عبد الله (عليه السَّلام)، قال: "قَالَ لِفُضَيْلٍ: "تَجْلِسُونَ وَتُحَدِّثُونَ[13]؟
قَالَ: نَعَمْ، جُعِلْتُ فِدَاكَ.
قَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): إِنَّ تِلْكَ الْمَجَالِسَ أُحِبُّهَا، فَأَحْيُوا أَمْرَنَا يَا فُضَيْلُ، فَرَحِمَ اللَّهُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَنَا.
يَا فُضَيْلُ، مَنْ ذَكَرَنَا، أَوْ ذُكِرْنَا عِنْدَهُ، فَخَرَجَ مِنْ عَيْنِهِ مِثْلُ جَنَاحِ الذُّبَابِ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ وَ لَوْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ"[14].
وعن عبد الحميد الواسطي، عن أبي جعفر (عليه السَّلام)، قال: "قُلْتُ لَهُ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، لَقَدْ تَرَكْنَا أَسْوَاقَنَا انْتِظَارًا لِهذَا الْأَمْرِ حَتّى لَيُوشِكُ الرَّجُلُ مِنَّا أَنْ يَسْأَلَ فِي يَدِهِ!
فَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): يَا عَبْدِ الْحَمِيدِ، أَتَرى مَنْ حَبَسَ نَفْسَهُ عَلَى اللَّهِ، لَا يَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ مَخْرَجاً؟ بَلى وَاللَّهِ، لَيَجْعَلَنَّ اللَّهُ لَهُ مَخْرَجًا، رَحِمَ اللَّهُ عَبْداً أَحْيَا أَمْرَنَا.
قُلْتُ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، إِنَّ هؤُلَاءِ الْمُرْجِئَةَ يَقُولُونَ: مَا عَلَيْنَا أَنْ نَكُونَ عَلَى الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ حَتّى إِذَا جَاءَ مَا تَقُولُونَ، كُنَّا نَحْنُ وَ أَنْتُمْ سَوَاءً؟
فَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): يَا عَبْدَ الْحَمِيدِ، صَدَقُوا، مَنْ تَابَ، تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَمَنْ أَسَرَّ نِفَاقًا، فَلَا يُرْغِمُ اللَّهُ إِلَّا بِأَنْفِهِ، وَمَنْ أَظْهَرَ أَمْرَنَا، أَهْرَقَ اللَّهُ دَمَهُ، يَذْبَحُهُمُ اللَّهُ عَلَى الْإِسْلَامِ كَمَا يَذْبَحُ الْقَصَّابُ شَاتَهُ.
قَالَ: قُلْتُ: فَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ وَالنَّاسُ فِيهِ سَوَاءٌ؟
قَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): لَا؛ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ سَنَامُ الْأَرْضِ وَحُكَّامُهَا، لَا يَسَعُنَا فِي دِينِنَا إِلَّا ذلِكَ.
قُلْتُ: فَإِنْ مِتُّ قَبْلَ أَنْ أُدْرِكَ الْقَائِمَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)؟
قَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): إِنَّ الْقَائِلَ مِنْكُمْ إِذَا قَالَ: إِنْ أَدْرَكْتُ قَائِمَ آلِ مُحَمَّدٍ نَصَرْتُهُ، كَالْمُقَارِعِ مَعَهُ بِسَيْفِهِ، وَالشَّهَادَةُ مَعَهُ شَهَادَتَان"[15].
وعن عبد السَّلام بن صالح الهروي، قال: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى الرِّضَا (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يَقُولُ: "رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا أَحْيَا أَمْرَنَا.
فَقُلْتُ لَهُ: وَكَيْفَ يُحْيِي أَمْرَكُمْ؟
قَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): يَتَعَلَّمُ عُلُومَنَا وَيُعَلِّمُهَا النَّاسَ؛ فَإِنَّ النَّاسَ لَوْ عَلِمُوا مَحَاسِنَ كَلَامِنَا لَاتَّبَعُونَا.
قَالَ: قُلْتُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ؛ فَقَدْ رُوِيَ لَنَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) أَنَّهُ قَالَ: مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ يُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ لِيُقْبِلَ بِوُجُوهِ النَّاسِ إِلَيْهِ فَهُوَ فِي النَّارِ!
فَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): صَدَقَ جَدِّي (عَلَيْهِ السَّلَامُ). أَ فَتَدْرِي مَنِ السُّفَهَاءُ؟
فَقُلْتُ: لَا، يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ!
قَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): هُمْ قُصَّاصُ مُخَالِفِينَا. أَ وَتَدْرِي مَنِ الْعُلَمَاءُ؟
فَقُلْتُ: لَا، يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ (صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)!
فَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): هُمْ عُلَمَاءُ آلِ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) الَّذِينَ فَرَضَ اللَّهُ طَاعَتَهُمْ وَأَوْجَبَ مَوَدَّتَهُمْ.
ثُمَّ قَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): أَ وَتَدْرِي مَا مَعْنَى قَوْلِهِ: أَوْ لِيُقْبِلَ بِوُجُوهِ النَّاسِ إِلَيْهِ؟
فَقُلْتُ: لَا!
فَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): يَعْنِي وَاللَّهِ بِذَلِكَ ادِّعَاءَ الْإِمَامَةِ بِغَيْرِ حَقِّهَا، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ فِي النَّار"[16].
نلاحظ:
1/ إقران الأئمة الأطهار (عليهم السَّلام) إحياء أمرهم بتلاقي مواليهم وتزاورهم.
2/ الاشتغال عند التلاقي بذكرهم من خلال حديثهم (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين).
3/ تبين رواية الهروي الطريق لتحقيق خصوص هذا الإحياء، وهو تعلم علومهم (عليهم السَّلام)؛ حيث إنَّه مادَّة ذكرهم وتدارس حديثهم (عليهم السَّلام).
4/ اعتنى (عليهم السَّلام) بتحديد مكان الالتقاء بين المؤمنين، وهو (بيوتهم)؛ ولو لم يكن لها موضوعيَّة لأرسلوا أمر التلاقي دون تحديد للمكان.
لا يبعد أن يكون الاعتناء بذكر (بيوت المؤمنين) محلًّا للقاءاتهم حاملًا للدلالة على طلب الخصوصيَّة، وهذا ما تساعد على تعيُّنِه جملةٌ من الروايات الشريفة، منها ما رواه الكليني (رحمه الله) بسنده عن حُمْرَان، قال: "قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): أَسْأَلُكَ أَصْلَحَكَ اللَّهُ؟ فَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): نَعَمْ.
فَقُلْتُ: كُنْتُ عَلى حَالٍ وَأَنَا الْيَوْمَ عَلى حَالٍ أُخْرى؛ كُنْتُ أَدْخُلُ الْأَرْضَ، فَأَدْعُو الرَّجُلَ وَالِاثْنَيْنِ، وَالْمَرْأَةَ، فَيُنْقِذُ اللَّهُ مَنْ شَاءَ، وَأَنَا الْيَوْمَ لَا أَدْعُو أَحَدًا.
فَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): وَمَا عَلَيْكَ أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ، فَمَنْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ ظُلْمَةٍ إِلى نُورٍ أَخْرَجَهُ. ثُمَّ قَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): وَلَا عَلَيْكَ إِنْ آنَسْتَ مِنْ أَحَدٍ خَيْرًا أَنْ تَنْبِذَ إِلَيْهِ الشَّيءَ نَبْذًا.
قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: (وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا).
قَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): مِنْ حَرَقٍ أَوْ غَرَقٍ. ثُمَّ سَكَتَ، ثُمَّ قَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): تَأْوِيلُهَا الْأَعْظَمُ أَنْ دَعَاهَا فَاسْتَجَابَتْ لَه"[17].
وجه الاستدلال: يتوقَّف بذلُ العلم للمتعلِّم على مدى استعداداه لتلقي مسائل الدين، فكلَّما كان ذا استعدادٍ متقدِّمٍ زَادَ لَهُ العالِمُ مِن نَبذِ العِلم، ويتوقَّف عن ذلك عندما يجد في نفسه استيحاشًا أو إنكارًا لبعض المسائل، وقد روى الصفَّار بسنده عن جابر، قال: قال أبو جعفر (عليه السَّلام): قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): إِنَّ حَدِيثَ آلِ مُحَمَّدٍ صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لَا يُؤْمِنُ بِهِ إِلَّا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، أَوْ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، أَوْ عَبْدٌ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ. فَمَا وَرَدَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَدِيثِ آلِ مُحَمَّدٍ فَلَانَتْ لَهُ قُلُوبُكُمْ وَعَرَفْتُمُوهُ فَاقْبَلُوهُ، وَمَا اشْمَأَزَّتْ مِنْهُ قُلُوبُكُمْ وَأَنْكَرْتُمُوهُ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى الْعَالِمِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ. وَإِنَّمَا الْهَالِكُ أَنْ يُحَدَّثَ أَحَدُكُمْ بِشَيْءِ مِنْهُ لَا يَحْتَمِلُهُ فَيَقُولَ وَاللَّهِ مَا كَانَ هَذَا ثَلَاثًا"[18]. وهذا لا يُتصوَّر مع غير الفرادى من النَّاس. فافهم رعاك الله.
تنبيه: لا إشكال في صحَّة حديث الموعظة مع الجماعات؛ لموافقته إلى فطرة الأخلاق والسجايا الحسنة، وهذه كلها أكدها الدِّين ولم يبتدعها، فهي مِمَّا يشترك الإنسانُ في القول بها بغض النظر على دينه، وكذا لا إشكال في صحَّة الخطاب التحريضي مع الجمهور؛ لكونه خطابًا يستفزُّ العاطفة، وهذا أيضًا لا يخصُّ دينًا دون آخر. إنَّما كلامنا في المسائل الدينيِّة الخاصَّة، لا سيَّما تلك المعنيَّة بالعقيدة والمقامات المفاضة من الله تعالى على النبي الأكرم وأوصيائه الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) وما يشمله أمرهم الصعب المستصعب.
روى الشَّيخ الكليني (رحمه الله) بسنده عن خادم لأبي عبد الله (عليه السَّلام)، قال: "بَعَثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فِي حَاجَةٍ - وَهُوَ بِالْحِيرَةِ - أَنَا وَجَمَاعَةً مِنْ مَوَالِيهِ. قَالَ: فَانْطَلَقْنَا فِيهَا، ثُمَّ رَجَعْنَا مُغْتَمِّينَ. قَالَ: وَكَانَ فِرَاشِي فِي الْحَائِرِ الَّذِي كُنَّا فِيهِ نُزُولًا، فَجِئْتُ - وَأَنَا بِحَالٍ- فَرَمَيْتُ بِنَفْسِي، فَبَيْنَا أَنَا كَذلِكَ إِذَا أَنَا بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَدْ أَقْبَلَ. قَالَ: فَقَالَ: قَدْ أَتَيْنَاكَ. أَوْ قَالَ: جِئْنَاكَ. فَاسْتَوَيْتُ جَالِسًا، وَجَلَسَ عَلى صَدْرِ فِرَاشِي، فَسَأَلَنِي عَمَّا بَعَثَنِي لَهُ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَحَمِدَ اللَّهَ.
ثُمَّ جَرى ذِكْرُ قَوْمٍ، فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنَّا نَبْرَأُ مِنْهُمْ؛ إِنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ مَا نَقُولُ.
قَالَ: فَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): يَتَوَلَّوْنَا وَلَا يَقُولُونَ مَا تَقُولُونَ، تَبْرَؤُونَ مِنْهُمْ؟
قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ!
قَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): فَهُوَ ذَا عِنْدَنَا مَا لَيْسَ عِنْدَكُمْ، فَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَبْرَأَ مِنْكُمْ؟
قَالَ: قُلْتُ: لَا، جُعِلْتُ فِدَاكَ.
قَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): وَهُوَ ذَا عِنْدَ اللَّهِ مَا لَيْسَ عِنْدَنَا، أَ فَتَرَاهُ اطَّرَحَنَا؟
قَالَ: قُلْتُ: لَا وَاللَّه جُعِلْتُ فِدَاكَ، مَا نَفْعَلُ؟
قَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): فَتَوَلَّوْهُمْ وَلَا تَبَرَّؤُوا مِنْهُمْ؛ إِنَّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ لَهُ سَهْمٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ سَهْمَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ خَمْسَةُ أَسْهُمٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ سِتَّةُ أَسْهُمٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ سَبْعَةُ أَسْهُمٍ. فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ صَاحِبُ السَّهْمِ عَلى مَا عَلَيْهِ صَاحِبُ السَّهْمَيْنِ، وَلَا صَاحِبُ السَّهْمَيْنِ عَلى مَا عَلَيْهِ صَاحِبُ الثَّلَاثَةِ، وَلَا صَاحِبُ الثَّلَاثَةِ عَلى مَا عَلَيْهِ صَاحِبُ الْأَرْبَعَةِ، وَلَا صَاحِبُ الْأَرْبَعَةِ عَلى مَا عَلَيْهِ صَاحِبُ الْخَمْسَةِ، وَلَا صَاحِبُ الْخَمْسَةِ عَلى مَا عَلَيْهِ صَاحِبُ السِّتَّةِ، وَلَا صَاحِبُ السِّتَّةِ عَلى مَا عَلَيْهِ صَاحِبُ السَّبْعَةِ"[19]. الحديث.
فإذا كان كذلك، فعلى وِزان أيٍّ من الأسهم يُلقى الخطاب الجماهيري؟
إنَّنا نشهد باستمرار ما يعرض مِن إرباك مُخرِّب على المجلس إذا ما اعترض واحدٌ من الحضور مبديًا انزعاجه بحركة أو ردٍّ على مسألة يطرحها الخطيب، والضرر حينها يلحق بالجميع. وإن لم يبدِ معترضٌ اعتراضه فتكفي الكلمة والكلمتين بعد المجلس لإثارة الجمهور ضدَّ الخطيب، أو ضدَّ المعترض!
وقد يُخنَقُ اعتراضٌ موضوعيٌّ رصين بنفسٍ جمعيَّةٍ تدعم الخطيب وطرحه! وهكذا هي تلك النفس عفيَّة قويَّة لها حضورها الفاعل دائِمًا وفي اتجاهات مختلفة ومتفاوتة.
تنبيه: لا أظنُّكَ بغافلٍ عن أنَّ الكلام ناظِرٌ إلى واقع الخطاب في الجمهور وما ينتج منه في نفس الجمهور، وليس نظره إلى آحاد النَّاس؛ فقد تتحقق فوائد علميَّة يجنيها مؤمنٌ هنا وآخر هناك ولو كانت متفاوتة بينهما، ولكن في قبال هذه القلة المحتملة هناك وفرة في النتائج السلبيَّة المختلفة في طول وعرض الجماهير. فكن مع الفكرة التي نطرحها واحذر الشطط رعاك الله.
الإنشادُ والإبكاءُ في عاشوراء.. التحوُّلُ إلى الجماهيريَّة وخَلقُ نفسٍ جمعيَّةٍ جديدةٍ:
لا خلاف على الإطلاق في عظيم الأجر والثَّواب والمقام الرفيع عند الله تعالى لمن يكتب الشِّعر في أهل بيت النبوة (عليهم السَّلام)، بل لمن يكتب بيتًا واحدًا منه، ولمن يُنشده ويكون سببًا في بكاء المؤمنين، ومِنْ أعجب ما قرأت في روايات الطاهرين (عليهم السَّلام) ما رواه الشَّيخ الصدوق (رحمه الله) بسنده عن سالم البطائني، عن أبي عبد الله (عليه السَّلام)، قال: "مَا قَالَ فِينَا قَائِلٌ بَيْتًا مِنَ الشِّعْرِ حَتَّى يُؤَيَّدَ بِرُوحِ الْقُدُسِ"[20]، وروى ابن قولويه (رحمه الله) بسنده عن صالح بن عقبة، عن أبي عبد الله (عليه السَّلام)، قال: "مَنْ أَنْشَدَ فِي الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بَيْتَ شِعْرٍ فَبَكَى وَأَبْكَى عَشَرَةً فَلَهُ وَلَهُمُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَنْشَدَ فِي الْحُسَيْنِ بَيْتًا فَبَكَى وَأَبْكَى تِسْعَةً فَلَهُ وَلَهُمُ الْجَنَّةُ.. فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى قَالَ: مَنْ أَنْشَدَ فِي الْحُسَيْنِ بَيْتًا فَبَكَى، وَأَظُنُّهُ قَالَ: أَوْ تَبَاكَى فَلَهُ الْجَنَّة"[21].
وقد بينت الروايات الشريفة أنَّ الأئمَّة (عليهم السَّلام) كانوا يدعون الشَّاعر أو المنشد في بيوتهم فيستمعون له ويبكون، ولم يكن ذلك مختصًّا بزمان دون آخر، إلَّا أنَّ للعشرة الأولى من المحرَّم خصوصيَّةً بينتها رواية الصدوق (رحمه الله) بسنده عن إبراهيم ابن أبي محمود، قال: قال الرِّضا (عليه السَّلام): "إِنَّ الْمُحَرَّمَ شَهْرٌ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ فِيهِ الْقِتَالَ فَاسْتُحِلَّتْ فِيهِ دِمَاؤُنَا وَهُتِكَ فِيهِ حُرْمَتُنَا وَسُبِيَ فِيهِ ذَرَارِيُّنَا وَنِسَاؤُنَا وَأُضْرِمَتِ النِّيرَانُ فِي مَضَارِبِنَا وَانْتُهِبَ مَا فِيهَا مِنْ ثقلِنَا، وَلَمْ تُرْعَ لِرَسُولِ اللَّهِ حُرْمَةٌ فِي أَمْرِنَا.. إِنَّ يَوْمَ الْحُسَيْنِ أَقْرَحَ جُفُونَنَا وَأَسْبَلَ دُمُوعَنَا وَأَذَلَّ عَزِيزَنَا بِأَرْضِ كَرْبٍ وَبَلَاءٍ، وَأَوْرَثَتْنَا الْكَرْبَ وَالْبَلَاءَ إِلَى يَوْمِ الِانْقِضَاءِ، فَعَلَى مِثْلِ الْحُسَيْنِ فَلْيَبْكِ الْبَاكُونَ؛ فَإِنَّ الْبُكَاءَ يَحُطُّ الذُّنُوبَ الْعِظَامَ.
ثُمَّ قَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): كَانَ أَبِي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) إِذَا دَخَلَ شَهْرُ الْمُحَرَّمِ لَا يُرَى ضَاحِكًا، وَكَانَتِ الْكئَابَةُ تَغْلِبُ عَلَيْهِ حَتَّى يَمْضِيَ مِنْهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْعَاشِرِ كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ مُصِيبَتِهِ وَحُزْنِهِ وَبُكَائِهِ، وَيَقُولُ: هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ الْحُسَيْنُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)"[22].
فالأمر كما هو في بيان أهل بيت العصمة (عليهم السَّلام) مُحدَّدٌ بالبكاء والإبكاء، ولا شكَّ في تظافر الروايات الشريفة على أنَّ دعوة الأئمة (عليهم السَّلام) للشعراء والمنشدين كانت لغرض البكاء والتفجُّع على مصائبهم (صلوات الله وسلامه) عليهم أجمعين، فقد روى ابن قولويه (رحمه الله) بسنده عن أبي هارون المكفوف، قال: "دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فَقَالَ لِي: أَنْشِدْنِي. فَأَنْشَدْتُهُ. فَقَالَ: لَا؛ كَمَا تُنْشِدُونَ، وَكَمَا تَرْثِيهِ عِنْدَ قَبْرِهِ.
قَالَ: فَأَنْشَدْتُهُ؛
امْرُرْ عَلَى جَدَثِ الْحُسَيْنِ ... فَقُلْ لِأَعْظُمِهِ الزَّكِيَّةِ
قَالَ: فَلَمَّا بَكَى أَمْسَكْتُ أَنَا. فَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): مُرَّ. فَمَرَرْتُ. قَالَ: ثُمَّ قَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): زِدْنِي.. زِدْنِي. قَالَ: فَأَنْشَدْتُهُ؛
يَا مَرْيَمُ قُومِي فَانْدُبِي مَوْلَاكِ ... وَعَلَى الْحُسَيْنِ فَأَسْعِدِي بِبُكَاكِ
قَالَ: فَبَكَى وَتَهَايَجَ النِّسَاءُ. قَالَ: فَلَمَّا أَنْ سَكَتْنَ، قَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) لِي: يَا أبَا هَارُونَ؛ مَنْ أَنْشَدَ فِي الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَأَبْكَى عَشَرَةً فَلَهُ الْجَنَّةُ.. ثُمَّ جَعَلَ يَنْقُصُ وَاحِدًا وَاحِدًا حَتَّى بَلَغَ الْوَاحِدَ. فَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): مَنْ أَنْشَدَ فِي الْحُسَيْنِ فَأَبْكَى وَاحِدًا فَلَهُ الْجَنَّةُ. ثُمَّ قَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): مَنْ ذَكَرَهُ فَبَكَى فَلَهُ الْجَنَّة"[23].
لا بأس في الانتقال بمجالس النعي والرِّثاء المجاميع الكبيرة كما يحصل في المآتم المُعدَّة إلى إحياء ذكرى مواليدهم ووفياتهم (عليهم السَّلام)، وقد تقدَّم الوجه في ذلك؛ إذ قلنا بالمشترك العاطفي لا سيَّما بين المؤمنين الساعين لمجالس البكاء على مصائبهم (عليهم السَّلام). لكنَّ أمرًا مُعقَّدًا قد فرض نفسه فعلًا ليصبح مصدرًا للكثير من المشاكل والأزمات.. إنَّه تشكُّلُ نَفسٍ جمعيَّةٍ لِنَفْسِ الرَّاثين للأئمة الأطهار (عليهم السَّلام)، بل نَفْسٍ جمعيَّةٍ لكلِّ مِن يتَّصل بالعمل في مظاهر الإحياء حتَّى أصبح تشكيل النَّفس الجمعيَّة هو الغاية الأولى الَّتي يُسعى إليها، ولا يخفى على مُلتفِتٍ دورُ عناوين التقرُّب مِن الله عندما تُسبغ على تلك المساعي؛ فيُقال - مثلًا – بأنَّ السعي لجمع الأتباع وتكوين الجماعة إنَّما هو تكوين للجماعة المؤمنة، وهذا مِن أجَلِّ ما يحثُّ عليه ديننا الحنيف، كما وأنَّ تكوين هذه الجماعة مظهر من مظاهر حبِّ الخير لهم.. وهكذا يسعى المتقاطعون، والمتماثلون، والمتعاكسون، والمتناقضون لتكوين جماعاتهم الخاصَّة لتكون فيما بعد نفسًا جمعيَّةً يُستَقوَى بِها.
الواقع العلمي لمختلف الاعتناقات في خصوص مظاهر الإحياء:
مع القطع بوجود معتَنَقٍ جماهيري يستند إلى أدلة صحيحة، نقطع أيضًا بجدليَّة أكثر المعتنقات الجماهيريَّة، كما في أنصار المضائف المنتشرة بكثرة وَمَنْ يقابلهم مِمَّن ينادون بتقليلها، وكما في أصحاب دعوات الطرح العلمي البحثي من على منابر عاشوراء، ومطلق من يقابلهم مِنَ القائلين بقصر المنبر على النعي والرثاء، والقائلين بالموازنة، وغيرهم من الداعين إلى ترك كلٍّ على ما يراه.. وهكذا الأمر في مسائل مواكب العزاء، والإطعام، ومشاركة المرأة في بعض مظاهر الإحياء.. وغير ذلك..
انتبه -رعاك الله- إلى أنَّ المشاكل الَّتي أنتجتها هذه الجدليات آخذة في الاشتداد والتصلُّب كلَّما تصدَّى لحلِّها مَن يتصدَّى، والوجه في ذلك ليست قوَّة في أدلة هذا المُعتَنَق أو ذاك؛ بل القوَّة الحاضرة فعلًا هي قوَّة النفس الجمعيَّة لكلِّ معتنق منها، وهذه القوَّة تُلقي بظلالها (الثقيل) على كلِّ مَن ينطلق منها للدفاع عن معتنقه أو الهجوم على معتنق غيره، وهذا الإلقاء منها يُفسِّر لنا رواج الاستدلالات الضعيفة والحجج الواهنة وارتفاعها بين النَّاس على خلاف حقيقتها؛ إذ أنَّ قوَّة النفس الجمعية مُبعدة عن الموضوعيَّة مُضلِّلةٌ للفهم!
إنَّني هنا لا أُعيب المؤمنين؛ ولكنَّها – واللهِ - القوَّة الفعليَّة للنفس الجمعيَّة أينما حضرت، واعلم أنَّها من أهمِّ استراتيجيات القوى العالميَّة في قيادة الشعوب، ومِن أكثر الأفكار الَّتي لاقت اهتمامًا من آلات وأدوات العولمة؛ وهو ما نقرأه في الروايات الأدبية، ونشاهده في الأفلام السينمائية، وسائر أطروحات الإعلام؛ حيثُ حصر القوَّة الغالبة في ثنائيَّة: المال، والسَّلاح، ثُمَّ الجمهور، وإنَّما تقدَّم الأوَّلان لقدرتهما الحاسمة في تفكيك وإضعاف النفس الجمعيَّة.
بملاحظة حيثيَّة النَّفس الجمعيَّة تُدرِك عدم حاجة أي جماعة تتمتَّع بها إلى الدِّفاع عن نفسها بأدلة وحجج، وإن فعلت ففي ذلك ترسيخ لنفسها وتقوية لوجودها، ونفس هذا الترسيخ والتقوية يُنتجها خطاب التحدي الَّذي يهاجم أو يعيب على معتنق نفسٍ جمعيَّة، وهذا ما وجدناه مذ وعينا!
الطريقة الصحيحة للتعامل مع التوجهات والمعتنقات الخاطئة:
إنَّ أوَّل ما يُقال تحت هذا العنوان هو الصدق التام مع النَّفس في بُعدين، أحدهما الأسس الصحيحة في تشخيص التوجه أو المعتنق؛ أي أن يكون الإنسان صادقًا مع نفسه في التزامه لأسس صحيحة في التشخيص، وصدقه مع نفسه في صحة ممارسة لنفس التشخيص. والبُعد الآخر صدقه التام مع نفسه في معرفته بالأدلة والحجج الصحيحة للنقض على الآخر ومناقشته بموضوعيَّة تامَّة.
إذا تحقَّق الصدق في هذين البعدين فعلًا فهذا لا يعني ضمان النتيجة الإيجابيَّة؛ وذلك لسببين رئيسيين، أحدهما ندرة الموضوعيَّة عن القارئ والمستمع، بل وندرة القارئ والمستمع. والآخر هو السمَّة المستحكمة في النفس الجمعيَّة وهي سمة العناد والتمرُّد على أدنى ما تستشعر منه خطرًا.
إنَّه وبالرغم من ذلك فإنَّ الطرح الصحيح المبني على موازين صحيحة وأسس متينة من شأنه تفكيك المعتنقات الخاطئة، ولو لا الموانع النفسيَّة في القابل لآتى الطرح أكله.
هذا إذا سلك المتصدِّي طريق النشر العام لخطابه مسموعًا كان أم مقروءًا. ولكن ثمَّة طريق آخر؛ وهو اللقاءات المحصورة في غرف مغلقة بعيدًا عن الأنظار والإشهار والإعلام تُناقش فيها وجهات النظر بين المختلفين وأصحاب النظر.. ولتتكرَّر مرَّات ومرَّات ولتأخذ وقتها دون استعجال؛ سعيًا لنفي السلوك الجدلي شيئًا فشيئًا والترسيخ للموضوعيَّة في الحوارات وتبادل الآراء.
يتحصَّلُ عندنا أن وظيفة المؤمن العاقل هي الموضعيَّة التامَّة في سائر مناقشاته ونقده وتحليله، دون انتظار لنتائج تساوق موضوعيَّته وجهده، بل الحق أنَّه بمجرَّد طرحه الصحيح يكون قد أدَّى ما عليه أمام الله جلَّ في علاه.
أمَّا واقع الحال، وبعد كلِّ ذاك، فالأرجح استمراره وتفاقم سلبياته إلى أن يأذن الله تعالى بالفرج لوليه الحجَّة بن الحسن (صلوات الله وسلامه عليه).
السَّيد محمَّد بن السَّيد علي العلوي
18 من المحرَّم 1447 للهجرة
البحرين المحروسة
......................................
[1] - (النَّفسُ الجمعيَّة) مصطلحٌ بديل عن (العقل الجمعي)؛ لكون هذا الأخير لا يستقيم مع النصوص الشريفة الَّتي تثبت النور للعقل وتضعه في أرفع درجات الشرافة. لذا فإنَّنا إذا قلنا (النَّفس الجمعيَّة) كان قصدنا هو ما يصطلحون عليه بـ(العقل الجمعي).
[2] - سورة الأعراف: 24-25.
[3] - بحار الأنوار – المجلسي- ج38 ص39.
[4] - الاختصاص -المفيد- ص7.
[5] - السَّرائر -ابن إدريس- ج3 ص686. (يحسُن بالمهتم الرجوع إلى الكتاب وقراءة تتمَّة الخاتمة).
[6] - سورة الأعراف: 187.
[7] - سورة يوسف: 103.
[8] - الكافي -الكليني- ج3 ص619.
[9] - مستدرك الوسائل -الميرزا النوري- ج11 ص384.
[10] - الكافي -الكليني- ج3 ص448.
[11] - الكافي -الكليني- ج3 ص450.
[12] - قرب الإسناد -الحميري- ص32.
[13] - ضُبِطت في بعض نسخ ثواب الأعمال، ووسائل الشيعة بـ: "تَجْلِسُونَ وَ تَتَحَدَّثُون"، والأقرب ما في قرب الإسناد وغيره؛ لما في (التحديث) من خصوصيَّة زائدة على مجرَّد (التحدُّث) الَّذي هو من السمات الطبيعيَّة للمجالسة والتلاقي.
[14] - قرب الإسناد -الحميري- ص36.
[15] الكافي -الكليني- ج15 ص201-202.
[16] - عيون أخبار الرضا (عَلَيْهِ السَّلَامُ) -الصدوق- ج1 ص308.
[17] - الكافي -الكليني- ج3 ص536.
[18] - بصائر الدرجات -الصفَّار- ج1 ص21.
[19] - الكافي -الكليني- ج3 ص110 – 112.
[20] - عيون أخبار الرِّضا (عليه السَّلام) -الصدوق- ج1 ص7.
[21] - كامل الزيارات -ابن قولويه- ص105.
[22] - الأمالي -الصدوق- ص128.
[23] - كامل الزيارات -ابن قولويه- 105 – 106.