تحدث القرآن الكريم في عددٍ من سوره عن مجتمع بني إسرائيل متناولا أكثر من حقبةٍ من حقب هذا المجتمع، راصداً مجموعةً من ظواهره وقضاياه الاجتماعية والعقائدية.
ومن أبرز السور التي تناولت مجتمع بني إسرائيل سورة آل عمران، حيث تحدث القرآن فيها ابتداء من الآية الثالثة والثلاثين وحتى الآية الخامسة والخمسين عن إحدى أهم الفترات التي مرت على هذا المجتمع وهي الفترة التي تقع بين زكريا (ع) وعيسى المسيح (ع)، والتي تجلت فيها عظمة الله في عدد من الموارد، ففي هذه الفترة رزق زكريا (ع) بابنه رغم كونه شيخا كبيرا ورغم كون امرأته عاقرا، وفي هذه الفترة أيضا ولدت مريم بنت عمران في ظروف مشابهة للظروف التي ولد فيها يحيى (ع)، ثم بعد ذلك رزقت مريم بابنها عيسى روح الله (ع) دون أن يمسسها بشر، إلى غيرها من الموارد التي تجلت فيها عظمة الله في هذه المرحلة من عمر مجتمع بني إسرائيل.
وقد قال تعالى في ضمن السياق القرآني الذي تقدمت الإشارة إليه: ((وَإِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةُ یَـٰمَرۡیَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصۡطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَاۤءِ ٱلۡعَـٰلَمِینَ))[1]، فما هي دلالات حديث الملائكة مع مريم؟ وما المراد من الاصطفائين الأول والثاني لها؟ وما هو تطهيرها الوارد في الآية؟ هذا ما سوف نتناوله ضمن النقاط التالية:
1- هل كانت مريم نبية؟
ذهب بعض الأعلام منهم القرطبي[2] في تفسيره إلى أن السيدة مريم كانت في عداد الأنبياء (ع)، وعمدة ما استدل به على رأيه أن مريم كانت قد أوحي إليها من قبل الملائكة عن أمر الله تعالى، فتكون على هذا من الأنبياء، فقد قال ما نصه: ((وَالصَّحِيحُ أَنَّ مَرْيَمَ نَبِيَّةٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيْهَا بِوَاسِطَةِ الْمَلَكِ كَمَا أَوْحَى إِلَى سَائِرِ النَّبِيِّينَ))[3].
فالذي يبدو من نص كلامه هو أنه يرى أن الأصل هو التلازم بين الوحي والنبوة، وبما أن الأول قد تحقق لمريم فلا محالة أن الثاني متحقق، غير أن التلازم المدعى لا دليل عليه، فالوحي في مصطلح القرآن والحديث على أنواع كما هو محقق في محله من الأبحاث العقائدية، ومن أنواع الوحي الإلهام كما في قوله تعالى: ((وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُون))[4].
وكذلك ربما يكون قول الله: ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُون))[5] دليلا آخر على نفي ما ذهب إليه القرطبي من نبوة مريم (ع).
2- اصطفاء الله لمريم
يبدو أن آية اصطفاء مريم -التي نحن بصدد الحديث عنها- جاءت تفسر المراد من آل عمران الذين ذكرت الآية الثالثة والثلاثين من نفس السورة أن الله قد اصطفاهم بالإضافة إلى آدم ونوح وآل إبراهيم عليهم جميعا أفضل الصلاة والسلام، فقد ذهب عدد من المفسرين إلى أن المراد من آل عمران الذين اصطفاهم الله هما مريم وابنها عيسى عليهما السلام، فممن اختار ذلك ابن عاشور في تفسيره (التحرير والتنوير)؛ ومنهم العلامة الطباطبائي في تفسيره (الميزان) حيث قال: ((وأما آل عمران فالظاهر أن المراد بعمران أبو مريم كما يشعر به تعقيب هاتين الآيتين بالآيات التي تذكر قصة امرأة عمران ومريم ابنة عمران، وقد تكرر ذكر عمران أبي مريم باسمه في القرآن الكريم، ولم يرد ذكر عمران أبي موسى حتى في موضع واحد يتعين فيه كونه هو المراد بعينه، وهذا يؤيد كون المراد بعمران في الآية أبا مريم عليها السلام وعلى هذا فالمراد بآل عمران هو مريم وعيسى عليهما السلام أو هما وزوجة عمران)).
والسؤال المهم في آية اصطفاء مريم التي نحن فيها هو: ما هو المراد من كل من الاصطفائين الأول والثاني؟
والجواب: ذكر المفسرون أكثر من رأي في كلا الاصطفائين، والمستظهر من سياق الآية والله العالم أن الاصطفاء الأول هو اختيارها ضمن عِدادِ المصطفين من عباد الله من الرجال والنساء كالأنبياء والأولياء والأبرار، وأما الاصطفاء الثاني فهو إما تأكيد للأول، وإما بيانٌ لنتيجته وهي أن الله لما اصطفى مريم ولم يكن في نساء ذلك الزمان من تفوقها رفعة وشرفا كانت هي أعظم من اصطفي في ذلك الزمان من النساء.
3- طهارة مريم في الآية
بعد أن ابتدأت الآية الكريمة بذكر كمال من كمالات مريم (ع) وهو الاصطفاء الأول ثنَّت بكمال آخر وهو التطهير، وفي المراد منه ذُكِرت وجوه عدة أبرزها وجهان:
الأول: العصمة عن مقارفة المعاصي والذنوب.
الثاني: طُهرُها عن رؤية الدم الذي تراه سائر النساء لكي تتمكن من خدمة المسجد، فقد ذهب إلى ذلك بعض المفسرين.
والأنسب مع سياق الآية هو الوجه الأول، ومما يدعم ذلك أن الآية التي تليها جاءت تتحدث أيضا عما ينسجم مع العصمة عن الذنب أكثر من الانسجام مع الطُهرِ من الدم، حيث قال تعالى: ((يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ))[6].
صادق القطان
19 أغسطس 2025م
.........................................
[1] - سورة آل عمران - الآية 42.
[2] - (الجامع لأحكام القرآن) لمحمد بن أحمد القرطبي.
[3] - المصدر المتقدم.
[4] - سورة النحل - الآية 68.
[5] - سورة النحل - الآية 43.
[6] - سورة آل عمران - الآية 43.