من الواضح جدًّا لدى المسلمين أنَّ النبيَّ الأمِّيَّ (صلَّى اللهُ عليه وآله) معصوم في تلقي الوحي الإلهي، وإيصاله إلى الأمة، وأنَّ من لم يعتقد ذلك خرج عن عنوان الإسلام والإيمان.
كما أنَّ من ضروريَّات مدرسة أهل البيت (عليهم السَّلام) عصمته (صلَّى اللهُ عليه وآله) في تطبيق الوحي، فلا يخطئ ولا ينسى ولا يغفل فيما يرتبط بتطبيق أحكام الدين والشريعة.
وقد دلَّ على ذلك قوله تعالى ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾. فإنَّ الآية المباركة ظاهرة في عصمة الرسول (صلَّى اللهُ عليه وآله) في تلقي الوحي، وفي إيصاله، وتطبيقه.
وقد وقع الكلام في عصمته (صلَّى اللهُ عليه وآله) في تشخيص الموضوعات الخارجية التي لا ربط لها بتطبيق الدين والشريعة، كالعقود الشخصية، من بيع وشراء وعتق وصدقة وزواج وطلاق، أو من كون فلان أسودًا أو أبيضًا، أو طويلًا أو قصيرًا، أو جميلًا أو قبيحًا، أو زيدًا أو عمرًا، أو عسلًا أو خلًّا، وشببه.
فهل يجوز للمؤمن أن يعتقد بإمكان خطئه (صلَّى اللهُ عليه وآله) أو سهوه أو غفلته في مثل الأمور أم لا؟
والجواب: أنَّ الأدلة والبراهين وافية في امتناع ذلك، وإنَّه (صلَّى اللهُ عليه وآله) كما أنَّه معصوم في تلقي الوحي وإيصاله وتطبيقه، كذلك أيضًا معصوم من الخطأ والاشتباه والغفلة في تشخيص الأمور الخارجية التي لا ربط لها بالشريعة.
والأدلة على ذلك كثيرة..
منها: ما روي من شراء النبي (صلَّى اللهُ عليه وآله) ناقةً من أعرابي فأوفاه الثمن، فأنكر الأعرابي أنَّ النبيَّ (صلَّى اللهُ عليه وآله) أعطاه الثمن، فاحتكم النبيُّ (صلَّى اللهُ عليه وآله) أولًا إلى رجل من قريش، فقال القرشي للأعرابي: ما تَدَّعي على رسول الله (صلَّى اللهُ عليه وآله)؟ قال: سبعين درهمًا ثمن ناقة بعتها منه. فقال القرشيُّ: ما تقول يا رسول الله؟ فقال (صلَّى الله عليه وآله): قد أوفيته. فقال القرشيُّ: قد أقررت له يا رسول الله بحقِّه، فإمَّا أنْ تُقيم شاهدين يشهدان بأنَّك قد أوفيته، وإمَّا أنْ توفيه السبعين التي يدَّعيها عليك!
فقام النبيُّ (صلَّى اللهُ عليه وآله) مغضبًا يجرُّ رداءه، وقال: والله، لَأَقْصُدَنَّ من يحكم بيننا بحكم الله تعالى ذكره. فتحاكم لأمير المؤمنين (عليه السَّلام). فقال للأعرابي: ما تدَّعي على رسول الله (صلَّى اللهُ عليه وآله)؟ فقال: سبعون درهمًا ثمن ناقة بعتها منه. فقال عليٌّ (عليه السَّلام): ما تقول يا رسول الله؟ فقال (صلَّى الله عليه وآله): قد أوفيتُه ثمنها. فقال عليٌّ (عليه السَّلام): يا أعرابي، أصَدَقَ رسولُ الله فيها؟ قال: لا، ما أوفاني. فأخرج عليٌّ (عليه السَّلام) سيفه فضرب عنقه! فقال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): لِمَ فعلت ذلك يا علي؟ فقال: يا رسول الله، نحن نصدِّقك على أمر الله ونهيه، وأمر الجنَّة والنَّار، والثَّواب والعقاب ووحي الله تعالى، ولا نُصدِّقك في ثمن ناقة هذا الأعرابي؟ فإنِّي قتلته لأنَّه كذبك، لَمَّا قلتُ له: أَصَدَقَ رسولُ الله فيما قال، فقال: لا، ما أوفاني شيئًا. فقال رسول الله (صلَّى اللهُ عليه وآله): أصبتَ يا علي. فلا تعد إلى مثلها.
وهذه الرواية مشهورة بين الطائفة - بحسب تعبير السيد المرتضى علم الهدى والعلامة الحلي قدس سرهما – ، ورواها الصدوق في من لا يحضره الفقيه بسندين، وفي الأمالي بسندٍ ثالثٍ حَسَن، وثمَّة سند رابع عن ابن جريج عن الضحاك عن ابن عباس، وهي غير قضية خزيمة ذو الشهادتين.
وجه الاستدلال بالرواية:
وتخطأت النبيِّ (صلَّى اللهُ عليه وآله) من قبل هذا الإعرابي مُرَدَّدَة بين أمرين:
الأمر الأول: تصوره واعتقاده أنَّ النبيَّ (صلَّى اللهُ عليه وآله) -والعياذ بالله- كذب في كلامه، وأنَّه تعمَّد الإخبار خلاف الواقع.
وظاهر الرواية أنَّ الأعرابيَّ لا يعتقد بكذب النبي (صلَّى الله عليه وآله)، فهو لم يصرِّح بذلك، وإنَّما بعد سؤال أمير المؤمنين (عليه السَّلام): أَصَدَقَ رسولُ الله (صلَّى اللهُ عليه وآله)؟ قال: "لا ما أوفاني"، ولم يقل لم يصدق رسول الله (صلَّى اللهُ عليه وآله) حتى يكون تكذيبًا له، مع أنَّ مُقتضى المشاكلة بين السُّؤال والجواب أنْ يقول: لم يَصْدُق، لا أنْ يكون الجواب: لا ما أوفاني. فكأنَّما ثمَّة ارتكاز عنده أنَّ النبيَّ (صلَّى اللهُ عليه وآله) لا يكذب حتمًا، فسبب قتله ليس هذا الأمر لعدم التكذيب.
الأمر الثاني: تصوره واعتقاده أنَّ النبيَّ (صلَّى اللهُ عليه وآله) أخطأ أو اشتبه أو نسي أو غفل، لا أنَّه كاذب فيما يقول.
وهذا الأمر هو الذي كان شائعًا لدى المنافقين في عصر النبيِّ (صلَّى اللهُ عليه وآله) من أنَّه بشر يُخْطِئُ ويشتبه وينسى ويغفل، وقَنَّنَهُ بعضُ الكُتَّاب المعاصرين بمزعمه التّفْرِقة بين محمَّد الإنسان ومحمَّد النبيِّ، فَمِنْ حيثُ إنَّه إنسان يُخْطِئ وينسى ويشتبه ويغفل، ومن حيث إنَّه نبيٌّ فمعصوم في تبليغ ما أُرْسِلَ به.
فروى أحمد ومسلم وغيرهما أنَّ النبيَّ (صلَّى اللهُ عليه وآله) سمع أصواتًا فقال: ما هذه الأصوات؟ قالوا: النَّخل يُؤبِّرونه يارسول الله. فقال: لو لم يفعلوا لصلح. فلم يؤبِّروا عامَئِذٍ فصار شِيصًا. فذكروا ذلك للنبيِّ (صلَّى اللهُ عليه وآله)، فقال: إنَّما أنا بشر، إذا حدَّثتُكم بشيءٍ من أمر دينكم فخذوا به، وإذا حدَّثتُكم بشيءٍ من دنياكم فإنَّما أنا بشر.
وعن عبد الله بن عمرو أنَّه قال: كنت أكتب كلَّ شيء أسمعه من رسول الله (صلَّى اللهُ عليه وآله) أريد حفظه، فنهتني قريش، وقالوا أتكتب كل شيء تسمعه، ورسول الله (صلَّى اللهُ عليه وآله) بشر يتكلم في الغضب والرضا؟ فأمسكتُ عن الكتاب، فذكرتُ ذلك لرسول الله (صلَّى اللهُ عليه وآله)، فأومأ بإصبعه إلى فِيْهِ، فقال: اكتب، فو الذي نفسي بيده ما يخرج منه إلَّا حقٌّ.
فاعتقاد هذا الأعرابي كاعتقاد هؤلاء القرشيين الذين يرون أنَّ النبيَّ (صلَّى اللهُ عليه وآله) ليس معصومًا في تشخيص الموضوعات الخارجية، فقد يُخْطِئُ وقد يشتبه وقد يغفل وقد ينسى، وهدفهم من ذلك فصل الدِّين عن السياسية، ومزعمة أنَّه (صلَّى اللهُ عليه وآله) إذا عيَّن خليفة له يقوم مقامه، كان هذا من أفعال محمَّد الإنسان لا محمَّد النبيِّ.
وخلاصة: قَتْلُ أمير المؤمنين (عليه السَّلام) لهذا الأعرابي لا لأنَّه اتَّهم النبيَّ بالكذب، وإنَّما لتصوره واعتقاده ودعواه وجزمه وتصريحه باشتباه النبيِّ (صلَّى اللهُ عليه وآله) وغفلته ونسيانه فيما يرتبط باستيفاء قيمة الناقة.
وقوله (عليه السَّلام): "فإنِّي قتلته لأنَّه كذبك، لَمَّا قلت له: أَصَدَقَ رسولُ الله فيما قال، فقال: لا ما أوفاني شيئًا"، فالكذب حكمًا أوسع من مجرد نسبة الكذب إلى النبي (صلَّى اللهُ عليه وآله)، بل يتحقق أيضًا بنسبة الخطأ والغفلة والنسيان إليه في مورد إخباره بخلاف ذلك.
ولو أنَّ الإمام (عليه السَّلام) قتله لاتِّهامه للنبيِّ (صلَّى اللهُ عليه وآله) بالكذب لصرخ بعض المنافقين قائلاً: يا علي! متعلق جواب الأعرابي عدم الاستيفاء، وهو أعمُّ من كون السبب الكذب، أو الاشتباه والخطأ والزلل والنسيان، والحدود تُدرأ بالشبهات، فكيف أقدمت على قتله؟! والحال أنَّ النبيَّ (صلَّى اللهُ عليه وآله) قد صحَّحَ فعله.
وعليه: فإنَّ الرواية تدلُّ على أنَّ نسبة الخطأ إلى النبيِّ (صلَّى اللهُ عليه وآله) في تشخيص الوقائع الخارجية ليست أمرًا هيِّنًا في منطق أهل البيت (عليهم السلام)، وأنَّ الجزم بذلك والتصريح به في مقابل إخباره الشريف ينافي مرتبة التسليم والإذعان اللائقة بمقامه (صلَّى اللهُ عليه وآله)، ويُعَدُّ ذلك من مصاديق تكذيبه، أو كحكم تكذيبه.
فمن جزم بإمكان خطئه (صلَّى اللهُ عليه وآله) في تشخيص الموضوعات الخارجية وغفلته، وأعلن ذلك وجعله أصلًا عقديًا يدافع عنه ويخاصم عليه، فقد سلك مسلكًا خطيرًا يخالف ما تدلُّ عليه هذه الرواية الشريفة وغيرها.
ومن وَقَعَ في ذلك لشُبهَةٍ أو تقليد أو قصور في النظر، فحسابه على الله تعالى، والله أعلم بعباده وبمواقع عذرهم وجهلهم.
عَصَمَنَا اللهُ تعالى من الجهل والغفلة والاشتباه، وجعلنا ممَّن يُوقِّر النبيَّ ويسبِّحه بكرة وأصيلًا.
والحمد لله رب العالمين
ابن ابي ناصر القيدوم الماحوزي
الخامس والعشرون من ذي الحجَّة الحرام 1448