• الرئيسية
  • كتابات
    • مقالات علمية
    • بحوث علمية
    • تقريرات ولفتات
    • دراسات علمية
    • تحقيقات
    • مؤلفات
    • مناقشات
    • مراجعات
    • تحقيقات الخطيب
    • المدونة الصوتية
  • كُـتَّاب كتابات
  • علماء البحرين
    • أدب علماء البحرين
    • لطائف وطرائف لعلماء البحرين
  • تراجم
    • تراجم الماضين
    • تراجم المعاصرين
  • الحوزات العلمية في البحرين
  • الحاسبة الشيعية
    • حساب الميراث الشيعي
    • حساب الدينار والدرهم الشرعيين
    • حساب الزكاة
    • حساب زكاة الفطرة
  • معلومات
    • قالوا عن كتابات في عامها الأول
    • قالوا عن كتابات في عامها الثاني
    • أدبيات كتابات
    • تواصل معنا

في الشعائر والمشاعر.. حجِّية العنوان وحرارة الوجدان

بقلم: سماحة السيد محمَّد علي العلوي

التاريخ : 6 صفر 1448 للهجرة

الموافق : 21 يوليو 2026 للميلاد


بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمَّد وآله الطيبين الطاهرين.


في الشعائر والمشاعر.. حجِّية العنوان وحرارة الوجدان


كنتُ أعتقد بوجود مسائل يُتعامل معها بقدرٍ زائدٍ من التحفُّظ، ويُطرق بابها بعنايةٍ خاصَّة؛ خشية أن يُفهم منها على غير الوجه الصَّيح، أو يُتوهَّم فيها ما يبعث على الاستفزاز، فيحلُّ ردُّ الفعل المتأزِّم محلَّ التقبُّل العلمي، وتغيب المناقشة الموضوعيَّة الهادئة.


لا زال التطلُّع إلى التقبُّل العلمي والمناقشة الموضوعيَّة لما يُطرح من بحوث وآراء، غير أنَّ النظر بدأ بالانصراف عن فكرة وجود مسائل (حسَّاسة)، أمَّا المحافظة على الجودة الأخلاقيَّة في الكتابة فأصل حاضر سواء قيل بـ(الحساسيَّة) في بعض الموضوعات أو لا. ومن الخطأ ترك المسائل الَّتي يُعتقد بـ(حساسيَّتها) خشية لسان لا رقيب عليه وقلم لا ينضبط على قواعد الأدب وأصول الأخلاق، لا سيَّما فيما إذا كان في تركها تضييع لِطُرُقِ الخير والهدى.


تشتدُّ (الحساسيَّة) وتبرز بأسلحةٍ عادةً ما تكون قاسية شرسة في المسائل ذات العلاقة بالعنوان أو العناوين الَّتي يُعرف ويتشخَّص بها الفرد أو الجماعة، أيًّا كان منشئها وما يُكَوِّنُهَا ويُشَكِّلُهَا؛ إذ أنَّ الدِّفاعَ عنها دفاعٌ عن (الشَّخصيَّة)، وهو دفاع تشتدُّ ضراوته إذا ما أُلبِس العنوان لباس (الهويَّة). ولا فرق بين أن يكون العنوان متمحِّضًا في الفِكر والنظر، أم ذا علاقة بالعاطفة والمشاعر، أم غير ذلك؛ فالمدار الجوهري هو كونه مِمَّا يُعرَف ويتشخَّص به الفرد أو الجماعة. وهذه حقيقة وواقع يعمُّ كافَّة البشر، إلَّا أنَّ المقالة معنيَّة بما يخصُّ الشِّيعة الإماميَّة.


لا تُنكر المقالةُ حقيقة وجود عناوين يُعرف ويتشخَّص بها الفرد أو الجماعة، ولا تنتقد الدفاع الصلب والقوي ضدَّ ما يَمُسُّ بمثل هذه العناوين الخاصَّة، ولكنَّها بصدد التنبيه إلى أنَّ العنوان إذا ثبت بنصوص صريحة من الكتاب العزيز أو العترة الطاهرة فالصلابة في الدفاع عنه واجبٌ يُفاد من مثل قول الإمام الصادق (عليه السَّلام): "عُلَمَاءُ شِيعَتِنَا مُرَابِطُونَ فِي اَلثَّغْرِ اَلَّذِي يَلِي إِبْلِيسَ وَعَفَارِيتَهُ؛ يَمْنَعُونَهُمْ عَنِ اَلْخُرُوجِ عَلَى ضُعَفَاءِ شِيعَتِنَا، وَعَنْ أَنْ يَتَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ وَشِيعَتُهُ اَلنَّوَاصِبُ. أَلاَ فَمَنِ اِنْتَصَبَ لِذَلِكَ مِنْ شِيعَتِنَا كَانَ أَفْضَلَ مِمَّنْ جَاهَدَ اَلرُّومَ وَاَلتُّرْكَ وَاَلْخَزَرَ أَلْفَ أَلْفِ مَرَّةٍ؛ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ عَنْ أَدْيَانِ مُحِبِّينَا وَذَلِكَ يَدْفَعُ عَنْ أَبْدَانِهِمْ"[1]. ومن مثل قول أمير المؤمنين (عليه السَّلام) في خطبة له: "فَإِنْ كَانَ لاَ بُدَّ مِنَ اَلْعَصَبِيَّةِ فَلْيَكُنْ تَعَصُّبُكُمْ لِمَكَارِمِ اَلْخِصَالِ، وَمَحَامِدِ اَلْأَفْعَالِ، وَمَحَاسِنِ اَلْأُمُورِ اَلَّتِي تَفَاضَلَتْ فِيهَا اَلْمُجَدَاءُ وَاَلنُّجَدَاءُ مِنْ بُيُوتَاتِ اَلْعَرَبِ وَيَعَاسِيبِ اَلقَبَائِلِ بِالْأَخْلاَقِ اَلرَّغِيبَةِ، وَاَلْأَحْلاَمِ اَلْعَظِيمَةِ، وَاَلْأَخْطَارِ اَلْجَلِيلَةِ، وَاَلْآثَارِ اَلْمَحْمُودَةِ؛ فَتَعَصَّبُوا لِخِلاَلِ اَلْحَمْدِ مِنَ اَلْحِفْظِ لِلْجِوَارِ، وَاَلْوَفَاءِ بِالذِّمَامِ، وَاَلطَّاعَةِ لِلْبِرِّ، وَاَلْمَعْصِيَةِ لِلْكِبْرِ، وَاَلْأَخْذِ بِالْفَضْلِ، وَاَلْكَفِّ عَنِ اَلْبَغْيِ، وَاَلْإِعْظَامِ لِلْقَتْلِ، وَاَلْإِنْصَافِ لِلْخَلْقِ، وَاَلْكَظْمِ لِلْغَيْظِ، وَاِجْتِنَابِ اَلْفَسَادِ فِي اَلْأَرْضِ"[2].


يأتي التأكيد على ضرورة أنْ يكون العنوان بنصوصٍ صريحةٍ من الكتاب والعِترة؛ لِمَا يواجهه الواقع العِلمي من سلوك الإسناد الاجتهادي لبعض العناوين إلى نصوص ومفاهيم إسلاميَّة، فتكون (هويَّة) يُتقرَّب إلى الله تعالى بالدفاع عنها والتضحية من أجلها، ومن هنا قضى الواجب العلمي بدقَّة الفحص للوقوف على حقيقة كلِّ عنوانٍ وجِهَةِ استناده وواقعِ تَكَونِهِ؛ حيثُ إنَّ الانصراف للدفاع والعصبية لعنوان لا يكون ذا استناد صحيح للثِّقلين الشَّريفين انصرافٌ عن جادَّة الهدى وفتح لباب الضلالة وفِتَنِها.


موضوع المقالة


تنظرُ المقالةُ في مظاهر إحياء أمر أهل البيت (عليهم السَّلام) لا سيَّما الإمام الحسين (عليه السَّلام) من جهة عنوانها المنصوص في الكتاب العزيز وما وصلنا عن العِترة الطَّاهِرة، وتأتي أهميَّة النَّظر في حدِّ النِّسبة من المسألة لما في عنوان (الشعائر) من ملازمات ذات أهميَّة خاصَّة يتَّضح وجهها عن قريب إن شاء الله تعالى.


حقيقة الملازمات وواقع مسؤوليتها


لكلِّ عنوانٍ ملازمات تفرض واقعًا خاصًّا؛ فالرجل والمرأة -مثلًا- خاليان من لوازم الزواج إلى أن يتزوَّجا؛ إذ أنَّ لعنوان (الزواج) لوازم شرعيَّة وعرفية ينبغي تحمُّلها منهما، وهما خاليان من لوازم الأبوَّة والأمومة إلى أن يأتي لهما مولود؛ فيكون لهذا العنوان لوازم شرعيَّة وعرفيَّة ينبغي تحمُّلها. فالمسألة لا ترجع إلى مجرَّد (عنوان)؛ بل مرجعها إلى الواقع الَّذي يحكيه هذا العنوان ويعبِّر عنه.


ودون القارئ الكريم تحذير الإمام الحسن بن علي (عليه السَّلام) لرجل قال له: "يَا اِبْنَ رَسُولِ اَللَّهِ؛ أَنَا مِنْ شِيعَتِكُمْ. فَقَالَ اَلْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): يَا عَبْدَ اَللَّهِ؛ إِنْ كُنْتَ لَنَا فِي أَوَامِرِنَا وَزَوَاجِرِنَا مُطِيعًا فَقَدْ صَدَقْتَ، وَإِنْ كُنْتَ بِخِلاَفِ ذَلِكَ فَلاَ تَزِدْ فِي ذُنُوبِكَ بِدَعْوَاكَ مَرْتَبَةً شَرِيفَةً لَسْتَ مِنْ أَهْلِهَا.. لاَ تَقُلْ أَنَا مِنْ شِيعَتِكُمْ؛ وَلَكِنْ قُلْ: أَنَا مِنْ مُوَالِيكُمْ وَمُحِبِّيكُمْ، وَمُعَادِي أَعْدَائِكُمْ، وَأَنْتَ فِي خَيْرٍ، وَإِلَى خَيْرٍ"[3].


ليس الأمر في رغبتنا أن نتسمّى شيعةً؛ ولكنَّها في لوازم هذا العنوان ومسؤولياته، وإلَّا فمَن مِنَّا لا يسعد ويتفاخر بعنوان (التشيُّع)؟!


لا يقبل العاقل الاستهانةَ بالاصطلاحات المستحدثة؛ لِمَا فيها مِن انعكاسات ثقافيَّة وملازمات مُحتملة قد تكون سببًا في إحداث انحرافات خطيرة في المجتمع، كما إنَّها قد تأخذه في طريقٍ من الفتن المُجهِدة. والواقع أنَّ الأمثلة أكثر من أن تُحصى، غير أنَّ ذكر أحدها من شأنه أن يُخرِج المقال عن مساره؛ وذلك لأنَّ المِثال لن يكون في محلِّه دون توضيح وبيان. لذا فإنَّ الدخول المباشر في مسألة المقالة يغني عن ذكر الأمثلة والاستطراد في بيانها.


مسألة (الشَّعائر)


إنَّ الولاية للنبي الأكرم وأهل بيته الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) لَهِيَ من أعزِّ ما أنعم الله تعالى به علينا ووفَّقنا إليه، ولا شكَّ على الإطلاق في اشتداد عقيدتنا مع كلِّ عنوان يُعمِّق مفهوم الولاية، وإنَّنا واللهِ لنسجد لله تعالى شكرًا وحمدًا لو قام عندنا دليل صريح على أي عنوان من عناوين مقاماتهم وولايتهم (عليهم السَّلام) مهما عظُم في الأسماع وارتفع في الأفهام! ولكنَّ الأمر ليس بالتمنِّي، فهو عقيدة يتعبَّدنا الله (عزَّ وجلَّ) بها، ولن نأخذها يومًا من غير الصريح من النصوص الشريفة، ونسأله (جلَّ في علاه) أنْ يجنِّبنا الابتداع صغيره وكبيره.


لا أتصوَّر مواليًا يتحسَّس مِن عنوان (الشعائر الحسينيَّة) فضلًا عن أن يرفضها.. فليكن الأمر واضحًا إذن؛ حيث إنَّ ما تطلبه المقالة هو الوقوف على المستند النَّصي الصريح لإطلاق العنوان، وهو الَّذي بثبوته تستقرُّ على عاتق الموالي مسؤولية الوفاء بحقِّ هذا العنوان الشَّريف؛ ويكفي قوله تعالى ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ﴾.


أصول إحياء أمر الإمام الحسين (عليه السَّلام)


البكاء والجزع، من غير تقييد بمكان ولا زمان، بل ولا حتَّى بحالٍ خاصٍّ، فعن الإمام الصادق (عليه السَّلام) أنَّه قال:


وَمَنْ ذُكِرَ اَلْحُسَيْنُ (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ) عِنْدَهُ فَخَرَجَ مِنْ عَيْنِهِ [عَيْنَيْهِ] مِنَ اَلدُّمُوعِ مِقْدَارُ جَنَاحِ ذُبَابٍ كَانَ ثَوَابُهُ عَلَى اَللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ)، وَلَمْ يَرْضَ لَهُ بِدُونِ اَلْجَنَّةِ.


وعن علي بن أبي حمزة، عن أبي عبد الله (عليه السَّلام)، قال: سمعته يقول:


إِنَّ اَلْبُكَاءَ وَاَلْجَزَعَ مَكْرُوهٌ لِلْعَبْدِ فِي كُلِّ مَا جَزِعَ، مَا خَلاَ اَلْبُكَاءَ وَاَلْجَزَعَ عَلَى اَلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ)؛ فَإِنَّهُ فِيهِ مَأْجُورٌ.


الإنشاد في الحسين (عليه السَّلام)، والبكاء والإبكاء، وكذلك من غير تقييد بمكان ولا زمان، بل ولا حتَّى بحالٍ خاصٍّ، فعن أبي عبد الله (عليه السَّلام) أنَّه قال:


مَنْ أَنْشَدَ فِي اَلْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ) شِعْرًا فَأَبْكَى خَمْسِينَ فَلَهُ اَلْجَنَّةُ، وَمَنْ أَنْشَدَ فِي اَلْحُسَيْنِ شِعْرًا فَأَبْكَى أَرْبَعِينَ فَلَهُ اَلْجَنَّةُ، وَمَنْ أَنْشَدَ فِي اَلْحُسَيْنِ شِعْرًا فَأَبْكَى ثَلاَثِينَ فَلَهُ اَلْجَنَّةُ، وَمَنْ أَنْشَدَ فِي اَلْحُسَيْنِ شِعْرًا فَأَبْكَى عِشْرِينَ فَلَهُ اَلْجَنَّةُ، وَمَنْ أَنْشَدَ فِي اَلْحُسَيْنِ شِعْرًا فَأَبْكَى عَشَرَةً فَلَهُ اَلْجَنَّةُ، وَمَنْ أَنْشَدَ فِي اَلْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ) شِعْرًا فَأَبْكَى وَاحِدًا فَلَهُ اَلْجَنَّةُ، وَمَنْ أَنْشَدَ فِي اَلْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ) شِعْرًا فَبَكَى فَلَهُ اَلْجَنَّةُ، وَمَنْ أَنْشَدَ فِي اَلْحُسَيْنِ شِعْرًا فَتَبَاكَى فَلَهُ اَلْجَنَّةُ.


ومثل ذلك طلب الإنشاد، فعن أبي عمار المُنشِد، عن أبي عبد الله (عليه السَّلام)، قال:


قَالَ لِي: يَا بَا عُمَارَةَ؛ أَنْشِدْنِي فِي اَلْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ). قَالَ: فَأَنْشَدْتُهُ.. فَبَكَى، ثُمَّ أَنْشَدْتُهُ.. فَبَكَى، ثُمَّ أَنْشَدْتُهُ.. فَبَكَى.. قَالَ: فَوَ اَللَّهِ؛ مَا زِلْتُ أُنْشِدُهُ وَيَبْكِي، حَتَّى سَمِعْتُ اَلْبُكَاءَ مِنَ اَلدَّارِ.


الزِّيارة للقبر الشَّريف وذكر المصيبة والتحدُّث بما يثير الأشجان، فعن أبي عبد الله (عليه السَّلام) أنَّه قال لحمَّادٍ البصري:


بَلَغَنِي أَنَّ قَوْمًا يَأْتُونَهُ مِنْ نَوَاحِي اَلْكُوفَةِ، وَنَاسًا [أُنَاسًا] مِنْ غَيْرِهِمْ، وَنِسَاءً يَنْدُبْنَهُ، وَذَلِكَ فِي اَلنِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ.. فَمِنْ بَيْنِ قَارِئٍ يَقْرَأُ، وَقَاصٍّ يَقُصُّ، وَنَادِبٍ يَنْدُبُ، وَقَائِلٍ يَقُولُ اَلْمَرَاثِيَ..


فَقُلْتُ: نَعَمْ، جُعِلْتُ فِدَاكَ.. قَدْ شَهِدْتُ بَعْضَ مَا تَصِفُ.


فَقَالَ: اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي جَعَلَ فِي اَلنَّاسِ مَنْ يَفِدُ إِلَيْنَا، وَيَمْدَحُنَا، وَيَرْثِي لَنَا.. وَجَعَلَ عَدُوَّنَا مَنْ يَطْعُنُ عَلَيْهِمْ مِنْ قَرَابَتِنَا وَغَيْرِهِمْ يَهُدُّونَهُمْ [يُهَدِّدُونَهُمْ] وَيُقَبِّحُونَ مَا يَصْنَعُونَ.


الحزن والكآبة في خصوص المُحرَّم، لا سيَّما العشرة الأولى منه، فعن الإمام الرِّضا (عليه السَّلام) أنَّه قال:


كَانَ أَبِي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) إِذَا دَخَلَ شَهْرُ اَلْمُحَرَّمِ لاَ يُرَى ضَاحِكًا، وَكَانَتِ اَلْكآبَةُ تَغْلِبُ عَلَيْهِ، حَتَّى يَمْضِيَ مِنْهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ؛ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ اَلْعَاشِرِ كَانَ ذَلِكَ اَلْيَوْمُ يَوْمَ مُصِيبَتِهِ، وَحُزْنِهِ، وَبُكَائِهِ.. وَيَقُولُ: هُوَ اَلْيَوْمُ اَلَّذِي قُتِلَ فِيهِ اَلْحُسَيْنُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ).


وبهذه المضامين وما يشبهها استفاضت، بل تواترت النُّصوص عن أئمَّة الهُدى (عليهم السَّلام)، دون ذكر أو إشارة إلى نظم مُعيَّن، أو تنظيم يُستنُّ به، فمتى ما بكى المؤمن على أبي عبد الله الحسين (عليه السَّلام) فهو مأجور مُثاب بما لا يُثاب عليه غيره من العبَّاد والنُّسَّاك، ومثله من أنشد فيه (عليه السَّلام).


إقامة المآتم في مبانٍ خاصَّة


أخذ الشِّيعةُ أصول الإنشاد والقراءة والندب والرِّثاء، وأقاموا لها أماكن خاصَّة، وهي الَّتي تُسمَّى في عصورنا (المآتم، والحُسينيَّات)، فظهرت لوازم هذا الاستحداث؛ فالمكان المشيد مملوك لشخص أو عدَّة أشخاص، فإمَّا أن يبقى في ملكهم، أو أنَّهم يوقفونه كمأتم، ولكلِّ حال منهما لوازمه الخاصَّة، ثُمَّ إنَّ اجتماعَ المؤمنين فيه مظهرٌ اجتماعيُّ له لوازمه..


يتطوَّر الأمر فيحتاج المكان إلى قيِّم، والاجتماع إلى نظم خاص، ثُمَّ يُصنع الطعام، ويعطى الرَّاثي أجرة معيَّنة، فيحتاج المأتم إلى أوقاف خاصَّة يُفيد من مدخولها المادِّي، أو أن يُعتمد في ذلك على صاحب أو واقف المكان، أو على تبرعات المؤمنين.. ولكلِّ أمر لوازمه ومسؤولياته.


ولأنَّ كلَّ هذا مرتبط بعنوان إحياء أمرهم (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) اكتسبت أجزاء المأتم وأدواته وما يدخل في تكوينه ويتعلَّق به اعتبارًا خاصًّا، بل وفي بعض المقامات قداسة خاصَّة، فنرى -مثلًا- التبرُّك بالمنبر الَّذي تُلقى من فوقه المراثي والنَّواعي، وطلب الحاجات عنده.


تشكّلت في وجدان المؤمنين أحكامٌ والتزامات يُعاتَب مَن يتجاوزها، ومنها تجنُّب الزواج -مثلًا- في ذكرى شهادات الأئمَّة الطاهرين (عليهم السَّلام) غير الإمام الحسين (عليه السَّلام)، وذلك بعد تخصيص تاريخ الشَّهادة لإقامة المأتم في كلِّ عام. ولهذا الاعتناق انعكاساته الثَّقافيَّة، ومنها فيما لو تزوَّج أحد المؤمنين في يوم تاريخ ذكرى شهادة أحد الأئمَّة (عليهم السَّلام) ثُمَّ أصيب في زواجه بسوء أو ما شابه، فأوَّل ما يتبادر إلى أذهانهم هو أنَّ زواجه في ذلك اليوم هو ما جلب عليه ما أصابه.


كل ذلك طبيعي في الجملة، وليس الكلام في أصل وقوعه، وإنما في واقع الملازمات ومسؤولياتها.


وفي طور لاحق تشكلت مواكب العزاء واللطم، ومنها ما هو مستقلٌّ عن المآتم المشيدة، ومنها ما هو تابع لها..


أنتجت المآتم والمواكب حاجة إلى راثين، وكلَّما كثرت ازدادت الحاجة إلى عدد أكبر منهم (أعزَّهم الله تعالى). وهناك نتائج مهمَّة وكثيرة اقتضتها طبيعة الاجتماع وما يتمايز به النَّاس من توجُّهات وأفهام نحو ذلك. وهذه كلها نتائج يمكن للقارئ أن يتأمَّلها بعمق.


إنَّ هذا التطور لَهُوَ مِنَ المقتضيات الطبيعيَّة للحركة الذِّهنيَّة البشريَّة، وهي حركة يشتدُّ نشاطها في المظاهر الجماعيَّة؛ حيث التنافس لتقديم الأفضل وما يحلُّ بعض النواقص، وهكذا تتحرَّكُ وتنشطُ إبداعات الإنسان وابتكاراته، فيما تنخفض إلى أدنى مستوياتها عندما يكون تعلُّقُ الأمر بشخص واحد أو بتجمُّعٍ خاصٍّ. ومن هنا فإنَّ الأمر الأوَّل لمظاهر الإحياء سالِمٌ من حركة التطور والاستحداث.


إذا اتَّضح ذلك؛ فإنِّي أجد أهميَّةً بالِغةً للتكرار والتأكيد؛ فإنَّ لهذه المظاهر حُسنها بلا شكٍّ، ولكنَّها أطوار مستحدثة تشترك في أصول البكاء والشعر والإنشاد، وهذا الاستحداث له لوازمه الضروريَّة كما هو واضح، ونحن في هذه المقالة لسنا بصدد مناقشة مسألة الاستحداث، ولكنَّنا نريد التنبيه على أنَّه الأصل المُنشئ لمنظومة التعزيَّة، فالأمر لم يعد مجرَّد إنشادٍ يطلبه المؤمنُ من شاعر أو مُنشِد في داره أو الطريق أو في أي مكان وزمان، ولم يعد مجرَّد التقاء المؤمنين في الزِّيارة، ولكنَّه اليوم مواعيد ومواقيت، وأماكن وعقود واتفاقيات ومسؤوليات، وهذه كلُّها ألزمنا بها أنفسنا باستحداث ما ذكرناه قبل قليل، في حين أنَّ هذه اللوازم منتفية، أو تكاد، في الأمر الأوَّل، وهو كلُّ منصوص وردنا عنهم (عليهم السَّلام).


إنَّ لكلِّ واقعٍ عنوانًا يحكيه، ولكلِّ عنوانٍ انعكاسات يحملها من دلالاته الواقعيَّة، ولذا يطلب العَاقِل الدِّقَّة دائمًا في استعمال الكلمات، لا سيَّما الاصطلاحي منها، وما يُكوِّن اصطلاحًا خاصًّا باستعماله وتكرُّر تداوله، وهذا ليس بغريب؛ فحتَّى تسمية المواليد قرَّرها الإسلامُ مسؤوليَّة على عاتق الآباء، ومِمَّا ورد في ذلك قول رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): "إِنَّ أَوَّلَ مَا يَنْحَلُ بِهِ أَحَدُكُمْ وَلَدَهُ اَلاِسْمُ اَلْحَسَنُ؛ فَلْيُحْسِنْ أَحَدُكُمْ اِسْمَ وَلَدِهِ"[4].


عنوان (الشَّعائر)


قال الله (عزَّ وجلَّ):


﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾.


﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلَا ٱلْهَدْىَ وَلَا ٱلْقَلَـٰٓئِدَ وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَٰنًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُوا ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ ۚ وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾.


﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ﴾.


﴿وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَـٰهَا لَكُم مِّن شَعَـٰٓئِرِ ٱللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ۖ فَٱذْكُرُوا ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ ۖ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَـٰهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.


ذهب جُملةٌ من العلماء إلى أنَّ عنوانَ (الشَّعائر) الوارد في الكتاب العزيز عامٌّ ينطبق على كلِّ عمل مشروع يقوم علمًا وشعارًا ودليلًا على طاعة الله تعالى وعبادته، وما ذكر في القرآن الكريم لم يكن لحصر (الشَّعائر) فيه.


مناقشة


لا شكَّ ولا شبهة في أنَّ الشعيرة بالمعنى اللغوي صادقة على كلِّ ما كان علامة على ما دلَّ عليه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنَّه لم يظهر ما يصرف الكلمة عن معناها اللغوي، ولا حتَّى بإضافة قيد خاص، بل قد يُستَدلُّ بالنِّسبة إلى الله (جلَّ في عُلاه) على صدق (الشَّعائر) على كلِّ ما قام علمًا وشعارًا ودليلًا على الإسلام وطاعة الله تعالى وعبادته، لا سيَّما مع عدم نطق النَّص القرآني بحصر أو منع عن الاستعمال في غير الموارد المذكورة.


رغم صحَّة ما تقدَّم، إلَّا أنَّ مِن عُمَدِ الفَهمِ والاستدلال التنبُّه إلى القرائن وتتبُّع مظانِّها ما لم يكن استناد المدلول إلى نصِّ صريح بالحكم، فإذا استند إلى نصٍّ صريح يصار حينها للبحث عن القيود والمُخصِّصات المُحتملة، وإلَّا فالنَّصُّ تامُّ الدلالةِ وحاكمٌ ما لم يثبت مقيِّد أو مُخصِّص. غير أنَّ واقع الحال ناطِقٌ بكون القرائن وتتبعها والوقوف على حالها من النَّص ونحو ذلك غالبة على مسائل الفقه وغيرها.


إذا اتَّضح هذا الأمر الجوهري في الاستدلال، فبالرجوع إلى الآيات الكريمة نرى أنَّ ما قرَّرناه في صدر المناقشة هو فهمنا لحال مفهوم (الشَّعائر) من جهة الانحصار في المذكور أو التعدِّي إلى غيره، وليس نصًّا في ما فهمناه. وبناء على ذلك فإنَّنا نتمسَّك بهذا الفهم ولا نرفع عنه اليد ما لم نقف على ما يوجب أو يقتضي الرَّفع.


نُلفِتُ هنا إلى أنَّ الاستدلال إلى هذا الحد مَبنِيٌّ على عدم الحصر، وعدم اشتراط أن تكون (الشَّعائر) منصوصة، وهذا في حدِّ ذاته قرينة، وإنَّما نُزِّلَت منزلة الدليل لعدم وجود ما يصرف عنها أو يضعِّفها، وهذه نقطة مهمَّة لا بدَّ من أخذها بعين الاعتبار، لا سيَّما في مواطن النِّزاع.


بين المعنى اللغوي والانصراف الشرعي


قد يُقال عن مظاهر الإحياء المعروفة إنَّها (شعائر) بالمعنى اللغوي، وهي بالفعل كذلك إذا حملنا اللفظ على معناه اللغوي المحض؛ فإنَّ الشعيرة في أصلها علامة، وكلُّ مظهرٍ ظاهرٍ دالٍّ على أمرٍ من الأمور يمكن أن يُلحظ من هذه الجهة.


غير أنَّ هذا المقدار لا يكفي في محلِّ الكلام؛ إذ لا يمكن التساهل في إطلاق العناوين، بل لا ينبغي، ولا يصحُّ القبول بإطلاق مقولة (لا مشاحَّة في الألفاظ) في مثل هذه الموارد، فإنَّ اللفظ هو المتكفِّل بإحضار المعنى المقصود إلى ذهن السامع، وعليه تقوم المناقشات، وتداول الأفكار، والنقض والإبرام.


هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنَّ الواقع في الفهم العام هو رجوع عنوان (الشَّعائر) إلى (شعائر الله) المقرَّرة في الكتاب العزيز، لا إلى مجرَّد العلامة اللغوية المطلقة؛ ولذلك نرى تصدير الحديث عن مظاهر إحياء أمرهم (عليهم السَّلام) بآية: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ﴾. وهذا الانصراف العملي في الاستعمال كافٍ في التنبيه إلى أنَّ البحث ليس في إمكان الحمل اللغوي المحض، بل في صحَّة الإطلاق بما يفهمه المتديِّنون عادةً من هذا العنوان وما يترتَّب عليه من ملازمات.


قُرُون المعصومين (عليهم السَّلام)، ومعيار الأمر الأوَّل


هي ثلاثة قرون تمتدُّ مِن إعلان الرِّسالة إلى وقوع أمر الله (عزَّ وجلَّ) وغيبة إمام زماننا (صلوات الله وسلامه عليه) في 260 للهجرة، ومع وجود وكلائه الثِّقات الأربعة (رضوان الله تعالى عليهم) وتواصلهم مع المؤمنين صحَّ أن نقول بأنَّ الفترة بين 260 و329 للهجرة متوسِّطة بين الحضور والغيبة، وكيف كان؛ فهذه القرون الثَّلاثة قال فيها الأئمَّة (عليهم السَّلام) وفعلوا ما ينبغي لنا التمسُّك به والبقاء عليه لكونه مِنَ الأمر الأوَّل، أو من لوازمه ومقتضيات التمسُّك به، لا سيَّما في موارد الشبهات وتوارد الاجتهادات والآراء، وقد روى اَلْحارثُ بنُ اَلْمُغيرة؛ قَالَ:


سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اَللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): هَلْ يَكُونُ اَلنَّاسُ فِي حَالٍ لاَ يَعْرِفُونَ اَلْإِمَامَ؟


فَقَالَ: قَدْ كَانَ يُقَالُ ذَلِكَ.


قُلْتُ: فَكَيْفَ يَصْنَعُونَ؟


قَالَ: يَتَعَلَّقُونَ بِالْأَمْرِ اَلْأَوَّلِ حَتَّى يَسْتَبِينَ لَهُمُ اَلْآخَرُ.


فبراءة الذمَّة بين يدي الله (عزَّ وجلَّ) بالتزام البيِّن الواضح من الأمور، وعدم المخاطرة بخطوة بارتكاب غيره، وقد رُويَ عن النبيِّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) أنَّه قال: قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى اَلْبَيْضَاءِ؛ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لاَ يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلاَّ هَالِكٌ.


وثمَّة قاعدة مهمَّة مُفادة من رواية عبد الملك بن عمرو؛ قال:


قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اَللَّهِ (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ): يَا عَبْدَ اَلْمَلِكِ؛ مَا لِي لاَ أَرَاكَ تَخْرُجُ إِلَى هَذِهِ اَلْمَوَاضِعِ اَلَّتِي يَخْرُجُ إِلَيْهَا أَهْلُ بِلاَدِكَ؟


قَالَ: قُلْتُ: وَأَيْنَ؟


فَقُلْتُ: اِنْتِظَارًا لِأَمْرِكُمْ، وَاَلاِقْتِدَاءَ بِكُمْ.


فَقَالَ: إِي وَاَللَّهِ؛ لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ.


قَالَ: قُلْتُ لَهُ: فَإِنَّ اَلزَّيْدِيَّةَ يَقُولُونَ لَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ جَعْفَرٍ خِلاَفٌ إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يَرَى اَلْجِهَادَ!


فَقَالَ: أَنَا لاَ أَرَاهُ؟! بَلَى وَاَللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ؛ وَلَكِنْ أَكْرَهُ أَنْ أَدَعَ عِلْمِي إِلَى جَهْلِهِمْ.


فقوله (عليه السَّلام): لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ يعمُّ مورد الرواية وغيره، بل وحتَّى مع إنكار العموم فالتزامه من جهة الاحتياط حسنٌ وموافق لما أمرونا به (عليهم السَّلام) من التوقُّف عند غير البيِّن الواضح.


وبناءً على ذلك؛ فإنَّنا بحسب ما وقفنا عليه من الروايات الشَّريفة الواردة في إحياء أمر أهل البيت (عليهم السَّلام)، وعلى وجه الخصوص أمر الإمام الحسين (عليه السَّلام) لم نقف على إطلاقهم كلمة (الشَّعائر) في موردٍ واحد، ولم يُرجِعوا أوامرهم وتوصياتهم إلى كون الإحياء من (الشَّعائر). وهنا لا بدَّ من التنبيه على أنَّ إحياء أمرهم بحسب ما ورد في رواياتهم الشَّريفة قد يكون في مقامه وثوابه أعظم من بعض الموارد المذكورة في الكتاب بعنوان الشعائر، وقد يكون مساويًا لها، وقد يكون غير ذلك؛ فكلامنا ليس في شيء غير صحَّة الاستعمال من عدمه، وما يترتَّب على كلا القولين.


مسألة الصدق والانطباق


يسلِّمُ كافَّة المسلمين بالدقَّة التامَّة للكتاب العزيز، فقصصه، ومفاهيمه، ومسائله، تؤخذ دون مناقشة في جهة أو حيثيَّة يُشكُّ في استقامتها مع الحكم، ولذلك فالصفا والمروة هما من شعائر الله تعالى دون أدنى نقاش ولو من مسلم عاقل واحد، وقِس على ذلك.


ولو أردنا إطلاق (الشعائر) في غير الموارد المنصوصة في الكتاب العزيز، فليكن فيما ورد عنهم من صفات الإحياء المنصوصة، أمَّا تعديتها لغيرها فيستبطن دعوى موافقة وانطباق الإحياء المستحدث لإرادة الإمام (عليه السَّلام)، وهذه دعوى ليست بالهيِّنة؛ لما يترتَّب عليها من نتائج وآثار، الأمر الذي يقتضي مزيدًا من التثبُّت والتحقيق في مستندها.


التفاتة: أزعمُ أنَّ الاستدلال على الثبوت أيسر وأهون بكثير من النفي؛ إذ أنَّ توسيط المقدمات مقدور لمن مارس بعض العلوم العقليَّة. ولا أخال الطريق صعبًا لو أردتُ الاستدلال على أنَّ كلَّ مظهر من مظاهر الإحياء المعروفة والَّتي قد تُستحدث في قابل الأيَّام هي من أعظم (الشَّعائر) وأجلِّها، وهذا مسلك معروف في الجملة، وقد تظهر خطورته في موارد كثيرة، لا سيَّما حين يُقال في الأئمَّة (عليهم السَّلام) ما لم يقولوه في أنفسهم، والحال أنَّ الأئمَّة (عليهم السَّلام) يبرؤون من كلِّ مَنْ يقول فيهم ما لم يقولوه في أنفسهم، فعن الإمام الرِّضا (عليه السَّلام) أنَّه قال: "اَللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنَ اَلَّذِينَ اِدَّعَوْا لَنَا مَا لَيْسَ لَنَا بِحَقٍّ. اَللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنَ اَلَّذِينَ قَالُوا فِينَا مَا لَمْ نَقُلْهُ فِي أَنْفُسِنَا. اَللَّهُمَّ لَكَ اَلْخَلْقُ وَمِنْكَ اَلْأَمْرُ، وَإِيّٰاكَ نَعْبُدُ وَإِيّٰاكَ نَسْتَعِينُ. اَللَّهُمَّ أَنْتَ خَالِقُنَا وَخَالِقُ آبَائِنَا اَلْأَوَّلِينَ وَآبَائِنَا اَلْآخِرِينَ. اَللَّهُمَّ لاَ تَلِيقُ اَلرُّبُوبِيَّةُ إِلاَّ بِكَ، وَلاَ تَصْلُحُ اَلْإِلَهِيَّةُ إِلاَّ لَكَ، فَالْعَنِ اَلنَّصَارَى اَلَّذِينَ صَغَّرُوا عَظَمَتَكَ، وَاِلْعَنِ اَلْمُضَاهِينَ لِقَوْلِهِمْ مِنْ بَرِيَّتِكَ. اَللَّهُمَّ إِنَّا عَبِيدُكَ وَأَبْنَاءُ عَبِيدِكَ، لاَ نَمْلِكُ لِأَنْفُسِنَا ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَلاَ مَوْتًا وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُورًا. اَللَّهُمَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّنَا أَرْبَابٌ فَنَحْنُ إِلَيْكَ مِنْهُ بِرَاءٌ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ إِلَيْنَا اَلْخَلْقَ وَعَلَيْنَا اَلرِّزْقَ فَنَحْنُ إِلَيْكَ مِنْهُ بِرَاءٌ كَبَرَاءَةِ عِيسَى (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ) مِنَ اَلنَّصَارَى. اَللَّهُمَّ إِنَّا لَمْ نَدْعُهُمْ إِلَى مَا يَزْعُمُونَ، فَلاَ تُؤَاخِذْنَا بِمَا يَقُولُونَ وَاِغْفِرْ لَنَا مَا يَزْعُمُونَ. رَبِّ لاٰ تَذَرْ عَلَى اَلْأَرْضِ مِنَ اَلْكٰافِرِينَ دَيّٰارًا `إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبٰادَكَ وَ لاٰ يَلِدُوا إِلاّٰ فٰاجِراً كَفّٰارًا"[5].


وعن الإمام الصَّادق (عليه السَّلام) أنَّه قال: "لَعَنَ اَللَّهُ اَلْمُغِيرَةَ بْنَ سَعِيدٍ؛ إِنَّهُ كَانَ يَكْذِبُ عَلَى أَبِي، فَأَذَاقَهُ اَللَّهُ حَرَّ اَلْحَدِيدِ، لَعَنَ اَللَّهُ مَنْ قَالَ فِينَا مَا لاَ نَقُولُهُ فِي أَنْفُسِنَا، وَلَعَنَ اَللَّهُ مَنْ أَزَالَنَا عَنِ اَلْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ اَلَّذِي خَلَقَنَا وَإِلَيْهِ مَآبُنَا وَمَعَادُنَا وَبِيَدِهِ نَوَاصِينَا"[6].


إنَّه رُغم هذه النُّصوص البيِّنة الواضحة، وقد سُوِّدَت في ذلك مجلَّدات أثبتوا فيها عكس ما تنصُّ عليه هذه الروايات الشَّريفة، وقد تبدو استدلالاتهم مُقنِعة لِمن لا يلتفت إلى أثر توالي توسيط المقدمات في الاستدلال، ولو أنَّ المؤمنَ يقف عند حدود النَّص ويمسك نفسه عن تجاوز بيانه لكان الحال غير الحال. وهذا هو المقصود من هذه المقالة؛ أن نقف عند ما نصَّوا، وأنْ لا نُلبس على أنفسنا ما لم يُلْبِسوه علينا.


وليس المراد قياس محلِّ البحث بهذه الموارد في رتبته أو حكمه، وإنَّما المراد التنبيه إلى أصلٍ منهجي، وهو أنَّ محبَّة المقام لا تُبَرِّرُ تجاوز حدود البيان الوارد عنهم (عليهم السَّلام).


كلمة قبل الختام


إنَّني -في الواقع- لا أريد ملامسة الغاية في الصراحة والوضوح بما قد يشعر معه بعض المؤمنين بالأذى؛ فإنَّ حرمة المؤمن عظيمة، ومقصود الكلمة أن تكون عاطفة لقلوب المؤمنين بعضهم على بعض، لا سببًا في قسوةٍ أو جفاء. وقد رُوي أنَّ أبا جعفر الباقر (عليه السَّلام) أقبل إلى الكعبة وقال:


اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي كَرَّمَكِ وَشَرَّفَكِ وَعَظَّمَكِ وَجَعَلَكِ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا. وَاَللَّهِ لَحُرْمَةُ اَلْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنْكِ.


ولا شكَّ ولا تردُّد في أنَّ شعائر الله من تقوى القلوب، وقد جاء الأمر بتعظيمها، ولكنَّ مقتضى هذا الأمر أن يُحرَز كون الشيء من شعائره (عزَّ وجلَّ) ليكون تعظيمه امتثالًا للأمر الإلهي من جهة أنَّه من تقوى القلوب. ومن هنا تظهر دقَّة محلِّ الكلام؛ فإنَّنا نرى خلافًا شديدًا في التشخيص والإفتاء فيما يخصُّ بعض مظاهر الإحياء، بين من يقطع ببدعيَّة أمرٍ، ومن يقطع آخر بقداسته.


ولا يُقال هنا إنَّ على كلِّ مؤمن أن يرجع إلى فتوى مرجعه ويلتزم بها؛ إذ ليس نظرنا في هذا الجانب، وإنَّما الكلام في صحَّة الاختلاف في كون الشيء بعينه شعيرةً من شعائر الله، مع ما لهذا العنوان من ثقلٍ وملازمات. فمجرَّد هذا الاختلاف كافٍ في منع الاطمئنان الواقعي بإطلاق العنوان على وجهٍ يطلب معه من عموم المؤمنين ترتيب آثاره الخاصَّة؛ وكيف يُطمأن إلى عنوانٍ قد يتراجع عنه من كان يقول به، ويقول به من كان يذهب إلى بدعيَّته؟


في ختام المقالة:


إنَّ البحث في العناوين لا يقلُّ أهميَّةً عن البحث في الأفعال والممارسات الَّتي تُنسب إليها، بل لعلَّه في كثيرٍ من الموارد مقدَّمٌ عليها؛ إذ إنَّ العنوان ليس مجرَّد لفظٍ يُضاف إلى الشيء، بل هو إطارٌ معرفيٌّ يُنتج فهمًا خاصًّا، ويستتبع آثارًا وملازماتٍ ومواقفَ تتجاوز نفسَ الفعل في كثيرٍ من الأحيان.


ومن هنا اقتضى الحالُ التمييز بين أصل المشروعيَّة، وبين ثبوت عنوانٍ خاصٍّ لذلك الأصل؛ فإنَّ ثبوت أحدهما لا يستلزم ثبوت الآخر، كما أنَّ المناقشة في صحَّة النِّسبة لا تعني الانتقاص من أصل العمل، ولا من القائمين به، ولا من الآثار الحسنة المترتبة عليه.


وقد سعت هذه المقالة إلى النظر في عنوان (الشَّعائر) من هذه الجهة تحديدًا؛ أعني جهة الاستناد إلى الكتاب العزيز والعترة الطَّاهرة (عليهم السَّلام)، بعيدًا عن ضغط الألفة الاجتماعيَّة، أو رسوخ الاصطلاح، أو شدَّة الحضور الوجداني للعنوان في الوعي العام. فالعناوين تُؤخذ من مواردها المعتبرة، وتُعرَف بحدودها الَّتي رسمها الدليل، ولا ينهض ثبوتها على مجرَّد الرغبة في إثباتها أو حسن آثارها أو شرف الغايات الَّتي تُراد من ورائها.


ولا ريب أنَّ إحياء أمر أهل البيت (عليهم السَّلام)، وإظهار مودَّتهم، ونشر فضائلهم، وتعظيم مصاب سيِّد الشهداء (عليه السَّلام)، من أعظم القربات وأجلِّ الطاعات الَّتي دلَّت عليها النصوص الشريفة، غير أنَّ الوفاء لهذه المقامات المُعظَّمة لا يكون إلَّا بالسَّير معها حيث سارت النصوص، والوقوف عند حدود ما ثبت منها، من غير زيادةٍ تُنسب إلى النُّصوص بغير بيِّنةٍ صريحةٍ، ولا نقيصةٍ تُسلب عنها بغير حجَّة.


نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المتمسِّكين بكتابه الكريم، المعتصمين بعترة نبيِّه الأمين (صلَّى الله عليه وآله)، وأن يرزقنا اتِّباع الحقِّ حيث كان، والوقوف عند حدوده حيث وقف الدليل، والسَّير معه حيث سار، إنَّه وليُّ التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.


 


السَّيد محمَّد بن السَّيد علي العلوي


27 محرَّم 1448 للهجرة


البحرين المحروسة


...................................


[1] - الاحتجاج، الطبرسي، ج2 ص385.


[2] - نهج البلاغة، ج1 ص285.


[3] - تفسير الإمام العسكري (عليه السَّلام)، ص308.


[4] - النوادر، الراوندي، ص4.


[5] - الاعتقادات، الصدوق، ص99.


[6] - رجال الكشّي، ص223.

©2020 Ketabat. All Rights Reserved.

Developed by Elle